هذا واحد من أكثر الفنون التي تعرضت للإهمال في السودان، رغم أنه أكثر الفنون السودانية التي رفعت ذكرنا في العالمين، وبشكل لم تفعله كل الفنون الأخرى. نتحدث بفخر عن انتشار موسيقانا وغنائنا في الحزام السوداني الممتد من شرق أفريقيا إلى غربها، وعن بعض كتابنا وشعرائنا الذين صار لهم صيت إقليمي وعالمي، وغالبا سنذكر الطيب صالح، ثم نرجع خطوات قبل أن نذكر بركة ساكن وحمور زيادة وحامد الناظر والصويم…، أما عن كرة القدم…فهو كأس أفريقي يتيم للفريق القومي، وكأس آخر “أيتم” للمريخ، ثم ملاسنات ومكايدات هلال – مريخ.
بالمناسبة رووا لنا في جريدة “الصحافة ” أن صحفي مريخي التحق بالعمل بدأ يكتب “مريخ- هلال” فقرصه العميد هاشم ضيف الله في أذنه وهو يصيح به “عمرك سمعت التيمان بيقولوا ليهم حسين وحسن..؟”
إذا راجعنا سجل التشكيل السوداني فسنجد أن لنا صيتا فاق كل هذه الفنون، وأن اسمنا موضوع في متاحف وجامعات العالم مع الدول الرائدة، هذا بفضل الصلحي وأبارو ومحمد عمر خليل وعثمان وقيع الله وكمالا وعبد الله بولا وحسن موسى وآخرين، نعرف بعضهم ولا نعرفهم كلهم.
وفي الداخل والإقليم لدينا حركة تشكيلية نشطة ما غابت عن المساهمة في ترقية أذواقنا والمساهمة في تجميل حياتنا، فيها أولاد عثمان الجميلين فتحي والامين وطارق، وفيها عصام عبد الحفيظ وصلاح المر ومجموعة نيروبي النشطة وغسان الإمام الذي سبقه في القاهرة الراحل حسان علي أحمد وقاسم عثمان في المغرب، الذي غاب سريعا، وخالد كودي المتنقل بين بوسطن وكمبالا وكاودا، وفيها أستاذ الفن الأفريقي البروف صلاح الجرق.
عقبة واحدة وقفت أمام الانتشار الشعبي للتشكيل السوداني، وهو تقليده ظاهرة المعارض في أماكن صفوية، ثم ولفترة طويلة احتكر الناس تعبير التشكيل والفنون الجميلة للوحات التجريدية، وتم تغييب التشكيل الفني المنتشر في حياتنا اليومية وفي منازلنا، من شكل المنازل النوبية لأدوات المطبخ من الاطباق وزينة عدة القهوة لجماليات تقاليد الزواج والختان…وهذا حديث طويل يحتاج لمتخصصين وليس لـ”حاطب ليل” من أمثالي.
ربما يعرف الناس، حتى غير المهتمين بمتابعة حركة التشكيل السوداني، الفنان العالمي إبراهيم الصلحي، المقيم نواحي أكسفورد، بينما لوحاته تزين أهم المتاحف العالمية، ويحتفظ ببضع لوحات يوصي بأن تعرض في السودان عندما يكون فيه متحف للفنون الجميلة. وقد يعرف البعض أو يجهل رائد الخط العربي وفنانه العالمي عثمان وقيع الله (1925-2007) الذي قبعت لوحاته بالمنزل حين عاد لرفاعة وتعرض بعضها للتلف بينما تقدر قيمتها بالملايين. قليل من يعرف الخزاف العالمي محمد عبد الله أبارو (1933-2016 ) الذي عاش ورحل ببريطانيا، فهو ليس فقط خبيرا بالخزف، ولكنه أستاذ وخبير ممارس لفنون الجرافيك والتجليد. وغير أعمال الخزف التي عرف بها، فقد ألف عددا من الكتب، وأنتج كتبا توثيقية لتجربته وتجربة فنانين آخرين.
محمد عمر خليل تلقى تعليمه في الخرطوم، حيث درس وعمل كمحاضر في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية حتى عام 1963. فيما بعد، تابع دراسته في الرسم الجداري والطباعة في أكاديمية الفنون الجميلة في فلورنسا. في عام 1993، يعيش ويعمل في نيويورك منذ عام 1967. فاز بعدد كبير من الجوائز العالمية.
الدكتور عبد الله أحمد البشير “بولا” ليس مجرد فنان تشكيلي، لكنه مفكر وباحث وكاتب في التشكيل وعلم الجمال والفلسفة، وهو أستاذ لأجيال من الفنانين والكتاب والشعراء، عرفه الناس عبر مشاركاته الكثيرة والمتعددة، ثم عبر جهود زوجته وصديقته الدكتورة نجاة محمد علي التي تجتهد في جمع وتوثيق ونشر كتاباته.
والفنان العالمي حسن موسى من تلاميذ بولا وأصدقائه ورفقاء رحلته، ومن حسن حظنا وحظ حسن موسى أنه لم ينقطع عن السودان، فهو دائم الحضور والمشاركة، هذا غير ظهوره المميز من خلال موقع “سودان فور أول” الذي أنشأه مع دكتورة نجاة.
ثم هناك السيدة العظيمة الفنانة كمالا إبراهيم إسحق، الصابرة المثابرة التي لم تتوقف عن ممارسة فنها حتى الآن. حين زرتها رفقة الصديق فتحي عثمان في منزلها، بمناسبة فوزها بجائزة الأمير كلاوس أخذتني إلى صالون منزلها، وقد حولته لمخزن تتراكم فيه اللوحات، وهي تتساءل “أوديها وين..؟”
وبعيدا عن شخصنة الموضوع، فقد كان ذلك واحدا من أكبر همومنا في الفترة الانتقالية، متحف للفنون الجميلة”.
وتحادثنا مع فنانين وخبراء عن ما هي نقطة البداية، ونازعنا وزارة المالية في مبنى البوستة بالخرطوم ، ولم ننجح. ثم لاح في الأفق مشروع عظيم كان سيغنينا عن متاعب وتكاليف كثيرة، لكن تم إجهاضه.. مع مشاريع أخرى.
نتحمل مسؤولية هذا التقصير والعيب الكبير، أعظم تقدير لفنان أن يجد التقدير في وطنه ومن ناسه، أن ياتي سائح أو عابر…ثم يسال: أين يمكن أن أشاهد أعمال الصلحي،،أو ابارو..أو كمالا، فنقول له ..في متحفنا الموجود في المكان الفلاني.
لكن..يا للحسرة
ترتيب اللوحات من اليمين: الصلحي، محمد عمر خليل، وقيع الله.
