برز الذكاء الاصطناعي كأحد أهم الإنجازات التقنية في القرن الحادي والعشرين. لكن خلف هذا البريق التكنولوجي، تكمن مخاطر جسيمة تهدد بتوسيع الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، وقد تحول هذه التقنية الثورية إلى أداة لتعميق عدم المساواة العالمية.
الفجوة الرقمية تتسع
تشير التوقعات إلى أن إيرادات سوق الذكاء الاصطناعي العالمية ستنمو بنسبة 19.6% سنويًا، وأنه بحلول عام 2030، قد يساهم الذكاء الاصطناعي بنحو 15.7 تريليون دولار أمريكي في الاقتصاد العالمي. لكن هذه المكاسب الاقتصادية الهائلة لن تتوزع بعدالة، حيث ستستحوذ أمريكا الشمالية والصين على النصيب الأكبر من هذه الفوائد، بينما ستحصل دول الجنوب العالمي على نصيب أقل بكثير.
السبب في هذا التفاوت يعود إلى عدة عوامل أساسية، أبرزها محدودية القدرات المالية للدول النامية في تمويل البحث والتطوير والتنفيذ. فالوصول إلى قدرات الحوسبة الميسورة التكلفة اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يعتبر من أكبر الحواجز التي تواجه دول الجنوب العالمي، وفقًا لتقرير الأمم المتحدة لعام 2024 بعنوان “حوكمة الذكاء الاصطناعي للإنسانية”.
تصميم لخدمة الأقوياء
يؤكد فيلاس دار، رئيس ومؤتمن مؤسسة باتريك جيه مكجوفرن، أن الذكاء الاصطناعي يُصمم لإنشاء استخراج مربح للسوق لا يفيد الأغلبية العالمية. وبما أن دول الشمال العالمي هي المستثمرون الرئيسيون في الذكاء الاصطناعي، فإن تطويره يتم لتلبية احتياجاتهم بالدرجة الأولى.
ويحذر دار من أن “النتيجة هي تآكل صامت للاستقلالية السياسية والاقتصادية”، مضيفًا أنه “بدون تدخل مدروس، يخاطر الذكاء الاصطناعي بأن يصبح آلية لتعزيز الأنماط التاريخية للاستغلال من خلال الوسائل التقنية”.
تهديد الوظائف والاقتصاد
في جميع أنحاء العالم، يواجه الناس خطر فقدان وظائفهم للذكاء الاصطناعي، لكن العديد من دول الجنوب العالمي تعتمد على الصناعات كثيفة العمالة، مما يجعل الذكاء الاصطناعي يشكل تهديدًا أكبر لزيادة البطالة والفقر. وتشمل الفئات الأكثر عرضة للخطر الأطفال والنساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة والعمال الأكبر سنًا والمبدعين والأشخاص الذين يعملون في وظائف قابلة للأتمتة.
يشير دارون أسيموغلو، أستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إلى أن الذكاء الاصطناعي الذي يحل محل العمالة يشكل تهديدًا أكبر للعمال في العالم النامي، حيث أن التكنولوجيا كثيفة رأس المال قد لا تكون مفيدة في هذه الدول التي غالبًا ما يكون فيها رأس المال نادرًا والعمالة وفيرة ورخيصة.
الذكاء الاصطناعي في الصراعات
بدأ الذكاء الاصطناعي أيضًا في الظهور في الصراعات المسلحة. في أوكرانيا، يتم استخدام الطائرات المسيّرة المستقلة القادرة على تتبع الأعداء والاشتباك معهم، بالإضافة إلى روبوتات الكلاب الأرضية التي يمكنها مسح المناطق بحثًا عن الأعداء. كما تُستخدم أيضًا الرشاشات المستقلة التي يساعد فيها الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأهداف واستهدافها.
يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في الصراعات معضلة أخلاقية، حيث يمكن أن يحمي الأرواح البشرية في جانب من الصراع بينما يشكل تهديدًا كبيرًا للأرواح في الجانب الآخر من ساحة المعركة.
الحاجة إلى أطر دولية عادلة
للمرة الأولى على الإطلاق، كان الذكاء الاصطناعي موضوعًا رئيسيًا للنقاش في قمة البريكس السابعة عشرة في ريو دي جانيرو. وقعت الدول الأعضاء في البريكس على إعلان القادة حول الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، والذي يقدم إرشادات لضمان تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه بطريقة مسؤولة لتعزيز الاستدامة والنمو الشامل.
دعا الإعلان أعضاء الأمم المتحدة إلى تعزيز إشراك الأسواق الناشئة والدول النامية ودول الجنوب العالمي في صنع القرار المتعلق بالذكاء الاصطناعي.
وقال الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا في القمة: “يجب أن تعمل التقنيات الجديدة تحت نموذج حوكمة عادل وشامل ومنصف. يجب ألا يصبح تطوير الذكاء الاصطناعي امتيازًا لحفنة من البلدان، ولا أداة للتلاعب في أيدي أصحاب الملايين”.
الفرص المتاحة رغم التحديات
رغم المخاطر الجسيمة، يحمل الذكاء الاصطناعي أيضًا فرصًا هائلة لدول الجنوب العالمي. يمكن للذكاء الاصطناعي تصميم أنظمة تتناسب مع السياقات المحلية في دول الجنوب العالمي، وليس فقط على أساس دول الشمال العالمي.
على سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة المزارعين في اتخاذ القرارات من خلال إعلامهم بتنبؤات الطقس والجفاف باستخدام الذكاء الجيومكاني، بالإضافة إلى معلومات أسعار التسويق. كما يمكن استخدامه لتحسين التعليم والرعاية الصحية في الدول التي تعتبر هذه القضايا الرئيسية التي تضر بسكانها وتعيق التنمية.
معركة تحديد المستقبل
يؤكد فيلاس دار أن “مستقبل الذكاء الاصطناعي يتم التفاوض عليه بسرعة وإلحاح”، مضيفًا أن “ما إذا كان سيصبح قوة للتقدم الجماعي أم وسيلة جديدة لعدم المساواة يعتمد على من يتم تمكينه لتشكيله”.
الحقيقة المؤلمة هي أن الذكاء الاصطناعي، هذه التقنية التي تحمل إمكانات هائلة لتحسين الحياة البشرية، قد تتحول إلى أداة لتعميق الفجوة بين الأغنياء والفقراء على مستوى العالم. لكن الأمل يكمن في إمكانية تغيير هذا المسار من خلال حوكمة عادلة وشاملة تضمن استفادة جميع شعوب العالم من هذه التقنية الثورية.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في تطوير تقنيات ذكية أكثر، بل في ضمان أن تكون هذه التقنيات في خدمة الإنسانية جمعاء، وليس مجرد أداة لتعزيز سيطرة الأقوياء على الضعفاء.
