أثارت ظاهرة الاختفاء القسري والاختطاف خلال الحرب المندلعة بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” منذ أبريل 2023، قلق وغضب الأسر والقانونيين والنشطاء على مصير آلاف المدنيين خصوصاً بعد حدوث عشرات الوفيات في السجون.
ووردت تقارير عديدة عن حالات لضحايا مفقودين منذ أكثر من عامين، في وقت تتهم فيه منظمات حقوقية طرفي الصراع بالتورط في عمليات احتجاز واعتقال غير قانونية بحق السودانيين.
وتعج مواقع التواصل الاجتماعي بعدد من الإعلانات والنداءات التي تحمل صور هؤلاء المفقودين مرفقة بأرقام هواتف عائلاتهم، وعلى رغم استئناف عمل الشرطة في العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى بولاية الجزيرة، إلا أن عملية البحث عبر الجهات الرسمية لا تزال معقدة.
معاناة ومصير مجهول
منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب وحتى اللحظة فقدت عشرات الأسر العديد من الأبناء، بفعل الاعتقال والإخفاء وغيرها.
وتروي زمزم حسين التي تقطن في مدينة بحري أنها “فقدت ابنها سالم قبل أكثر من عام، “كان ابني يعمل في أسواق منطقة شرق النيل بالخرطوم، وظل يعود كل يوم إلى المنزل في الفترة المسائية، وفي أحد الأيام لم يصل في الموعد المحدد، حاولنا الاتصال به فوجدنا هاتفه مغلقاً، ووضعنا احتمال أن يكون فقد الشحن أو بسبب عطل في شبكات الاتصالات التي تتأثر في كل فترة.
وأوضحت حسين في حديثها لمنصة (مشاوير)، “بدأ القلق يساورنا مع مرور الوقت حتى دخل الليل، ليصبح الأمر بالنسبة لنا غير عادي، ولم أستطع النوم طوال تلك الليلة، وقمنا بالاتصال بزملائه في العمل، إذ أكدوا لنا أنه تحرك بالفعل إلى المنزل، ومنذ ذلك اليوم بدأنا في البحث عنه من خلال نشر صوره في مواقع التواصل الاجتماعي، من دون أن نجد أي خيط يوصلنا إليه حتى هذه اللحظة
أزمات جديدة
وبحسب مصادر تحدثت لمنصة (مشاوير) فإن الغالبية من الذين تم اعتقالهم في العاصمة السودانية بمدنها الثلاث الخرطوم وأم درمان وبحري من قوات “الدعم السريع” تم ترحيلهم إلى معتقلات ولايات دارفور.
ولم تتوفر معلومات إضافية عنهم، منهم غادر الحياة بفعل الجوع والمرض والتعذيب، وتعد قضية المفقودين من القضايا الشائكة والمعقدة، وهنالك أسر فقدت أكثر من شخص إذا كان بفعل الإعتقال أو خلال رحلة البحث عن مأوى بعيدا عن نيران الحرب.
وفي الأثناء أنشاء متطوعون بجانب بعض أهالي المفقودين صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لنشر معلومات عنهم وحصر أعدادهم، ومن ثم إيجاد سبل تمهد لهم الوصول إلى أثر يقودهم إلى الحقيقة الغائبة، كما أرسلت عدد من الجهات والمنظمات المهتمة بحقوق الإنسان نداءات في بريد العديد من الجهات ذات الإختصاص علها تجد أذنا صاغية، كما أعربت عن مخاوفها إزاء تزايد عدد المفقودين في مناطق النزاع، خاصة النساء والأطفال، حيث تعرض بعضهم للإغتصاب والتعنيف، في الوقت الذي يواجه فيه ملف المفقودين تحديات كبيرة مثل التوثيق لحالات الاخفاء القسري والتعذيب والقتل.
مآسي خفية
في السياق قال رئيس مجلس أمناء هيئة محامي دارفور الصادق علي حسن لمنصة (مشاوير) إن “قائمة الأسرى التي أُفرج عنها في ولاية الخرطوم ومحلية جبل أولياء كشفت بعض الإجابات حول مصير المئات من المفقودين، وكذلك المآسي الخفية وظروف الفقد نفسه.
وأضاف “تتحمل قوات “الدعم السريع” المسؤولية الكبرى نظراً إلى أن الانتهاكات التي حدثت للمعتقلين والمخفيين قسرياً تمت بأفعال منسوبة إلى تلك القوات، وفي المناطق التي كانت تحت سيطرتها في العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة ومدينة الجنينة، فضلاً عن حدوث حالات وفاة عدة داخل السجون.
احصائية صادمة
إلى ذلك قالت المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات إنها وثقت فقدان “50” ألف شخص منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وأشارت إلى أن “غالب المفقودين من الولايات المتأثرة بالنزاع، مثل الخرطوم وسنار والنيل الأبيض والجزيرة وإقليم دارفور.
وتوقعت المجموعة اكتشاف حقائق صادمة وغير متوقعة بعد توقف الحرب حول الانتهاكات التي ارتكبت في حق النساء والأطفال، بما في ذلك جرائم الاغتصاب.
وأوضحت أن “انقطاع شبكات الاتصالات وصعوبة الوصول إلى الولايات التي تشهد نزاعات مسلحة وتسيطر عليها قوات ’الدعم السريع‘، أسباب تحول دون رصد جميع حالات الاختفاء القسري، والراجح أن الأعداد كبيرة في تلك المناطق.
ملف شائك
على الصعيد نفسه، وصفت عضوة لجنة محامي الطوارئ رحاب مبارك ملف المفقودين في حرب السودان بـ”الشائك والمعقد”، نظراً إلى ارتباطه بتقاطعات عدة في شأن عملية البحث والتقصي وأخذ العينات، بخاصة بعد اكتشاف دفن المئات في مقابر جماعية بمناطق شمال الخرطوم ومدينة بحري، منطقة الصالحة بأم درمان، إضافة إلى العشرات الذين دفنوا في الساحات وأمام المنازل.
وأشارت في حديثها لمنصة (مشاوير) إلى أن “هناك المئات لا يزالون مفقودين، على الرغم من إطلاق سراح آلاف الأسرى في ولاية الخرطوم، فضلاً عن آخرين لقوا مصرعهم في الشوارع وتحللت بعض الجثامين، وتمت عمليات الدفن من دون التعرف إلى هوية المتوفين.
ولفتت مبارك إلى أن “اللجنة ليست لديها إحصاءات دقيقة بعدد المفقودين في العاصمة الخرطوم بسبب انقطاع شبكات الاتصالات في مناطق عدة ولفترات تتجاوز الأشهر الثلاثة أحياناً.
وسائل ضعيفة
ومع هذا الوضع، تتنامى مخاوف المدنيين السودانيين في المناطق التي تشهد توترات وقتالاً مستمراً من تزايد حالات الاختفاء القسري وخطف الفتيات وتعرضهن للاعتداء الجنسي أو القتل.
وفي هذا الصدد، تعرب الناشطة في مجال حقوق المرأة مودة نجم الدين عن قلقها إزاء تزايد حالات الاختفاء القسري، معتبرة أن “إفادات الناجيات في شأن وجود فتيات محتجزات في مناطق مختلفة بإقليم دارفور تشير إلى تصاعد الانتهاكات ضد النساء وإقحامهن في الصراع ليصبحن ضحايا للعنف الجنسي المتصل بالنزاع المسلح.
وأضافت في حديثها لمنصة (مشاوير)، أن “المتطوعين يواجهون صعوبات جمة تمنعهم من الوصول إلى المفقودين من آلاف الشباب وكبار السن نظراً إلى عدم وجود صلاحية تمكنهم من دخول المعتقلات لدى الجيش السوداني أو مقار قوات (الدعم السريع) بخاصة أن البلاد تمر بحرب، كما لا توجد أي جهة يتواصلون معها في هذا الخصوص غير أسر المفقودين.
وأوضحت نجم الدين أن “هذه القضية مقلقة جداً للأسر التي فقدت أبناءها ولا تدري أين مكان اختفائهم وهل هم أحياء أم مقتولون وما وضعهم الصحي؟ وللأسف فإن الجهد في هذه الحالة يكون عبر وسائل غير رسمية مثل مواقع التواصل ولجان متطوعة وناشطين وغيرهم، من ثم تكون وسائل البحث ضعيفة جداً، بعكس الوضع عندما تعمل الشرطة التي تمتلك آليات وصلاحيات وخبرات في هذا المجال، إضافة إلى أن التحرك في ظروف القتال يكون خطراً ومحسوباً.
