في قلب التوترات الأمنية المتصاعدة بولاية شمال كردفان، حاول والي الولاية عبد الخالق عبد اللطيف أن يطمئن سكان الأبيض بتأكيده أن المدينة لا تزال مستقرة وآمنة، رغم ما تردده الأنباء المحلية عن اشتباكات مسلحة في أطرافها الجنوبية.
كان المشهد في جولته داخل سوق الأبيض يوحي برغبة رسمية في بث الطمأنينة وسط قلق شعبي متزايد، إذ دعا المواطنين إلى تجاهل ما وصفها بـ”الشائعات التي تروجها قوات الدعم السريع وأعوانها”، مؤكدًا أن الأبيض ستظل محروسة بتماسك أهلها وقواتها المسلحة.
لكن خلف هذه الطمأنينة المعلنة، تتراكم مؤشرات على واقع أكثر هشاشة، إذ تتحدث تقارير صحفية عن مغادرة الوالي وعدد من أعضاء حكومته إلى مدينة كوستي، في خطوة أثارت تساؤلات حول حقيقة الوضع الميداني.
في المقابل، رسمت صحيفة “إدراك” مشهدًا مختلفًا حين تحدثت عن اشتباكات في حي الصالحين جنوب المدينة بين الجيش السوداني والقوة المشتركة، ما أثار مخاوف من انزلاق الأبيض إلى دائرة العنف المفتوح، خاصة مع اقتراب قوات الدعم السريع من مشارفها. وتحدثت مصادر عن انسحاب تكتيكي للقوة المشتركة من مواقع كانت ترتكز فيها داخل المدينة، في مؤشر على تغير التموضع العسكري واحتمال استعداد الأطراف لجولات قتال جديدة.
هذا الارتباك الأمني في كردفان يتزامن مع تصاعد ميداني أكثر خطورة في دارفور، حيث أفادت مصادر ميدانية بأن سلاح الجو السوداني استهدف أول طائرة شحن هبطت في مطار الفاشر بعد إعلان قوات الدعم السريع سيطرتها على المدينة. لم تتأكد صحة الأنباء بعد، لكن رمزية الحدث تعكس تصاعد التوتر إلى مستوى جديد من الصراع المفتوح على المجال الجوي والمواقع الاستراتيجية. فقد نشرت حسابات تابعة للدعم السريع مقاطع توثق توغل عناصرها داخل مقر الفرقة السادسة مشاة، لتعلن بعدها رسميًا سيطرتها الكاملة على المدينة، بعد حصار استمر أكثر من خمسمائة يوم، ما جعل سقوط الفاشر حدثًا مفصليًا في مسار الحرب.
خلال تلك الأشهر الطويلة، خاض الطرفان مئات المعارك التي أنهكت المدنيين قبل أن تُحسم الكفة لصالح الدعم السريع، لتصبح دارفور، ومعها أجزاء واسعة من كردفان، تحت سيطرة شبه كاملة لهذه القوات. وردّ رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بكلمة متلفزة أكد فيها أن الانسحاب من الفاشر جاء لتجنيب المدنيين الدمار، مشيرًا إلى أن الجيش “قادر على قلب الطاولة”. لكن هذه اللغة لم تُخفِ وقع الخسارة ولا تبدد التساؤلات حول استراتيجية الجيش المقبلة.
تزامن ذلك مع حراك دبلوماسي مكثف، إذ يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة لمناقشة تطورات السودان، في ظل اتهامات متبادلة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات ضد المدنيين. وقد تبنّت بريطانيا موقفًا صارمًا تجاه قوات الدعم السريع، فيما اتهمت الولايات المتحدة طرفي النزاع معًا بارتكاب فظائع بحق المدنيين، ما يعكس إدراكًا دوليًا بأن الأزمة خرجت عن السيطرة وأن الحل العسكري أصبح طريقًا مسدودًا.
وفي سياق الضغط الدولي، مدّد مجلس الأمن نظام العقوبات المفروض على السودان، مؤكدًا أن المجتمع الدولي يبعث برسالة واضحة لوقف تدفق السلاح ومنع مزيد من الانهيار.
بالتوازي، اشتعلت الفضاءات الرقمية بحملات تطالب بمحاسبة قوات الدعم السريع، مدفوعة بغضب شعبي سوداني وعربي ودولي، في مشهد يعكس كيف تحولت الحرب إلى ساحة تتقاطع فيها البنادق مع الخوارزميات.
ومع ازدياد الحراك الدولي، دخل الاتحاد الأوروبي على خط الأزمة ببيان حاد اللهجة وصف سيطرة الدعم السريع على الفاشر بأنها “تحول خطير” يهدد بتفاقم الكارثة الإنسانية، داعيًا إلى التهدئة واحترام القانون الدولي. شدد البيان على ضرورة فتح ممرات آمنة لوصول المساعدات الإنسانية وضمان خروج المدنيين الراغبين من المدينة بسلام، مؤكدًا أن الاتحاد الأوروبي سيواصل دعم المفاوضات الهادفة إلى وقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
أما على الصعيد الإقليمي، فقد تبنى مجلس السلم والأمن الأفريقي موقفًا أكثر حسمًا، إذ أدان الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، وطالب بوقف فوري للقتال وفتح ممرات إنسانية عاجلة. دعا المجلس كذلك إلى عقد قمة أفريقية خاصة بشأن السودان، مؤكدًا أن الحل العسكري مستحيل وأن السبيل الوحيد هو الحوار الشامل المؤدي إلى مرحلة انتقالية يقودها المدنيون. كما حذّر من أن مرتكبي الفظائع لن يفلتوا من العقاب، داعيًا إلى تحقيق عاجل وتوثيق الانتهاكات في الفاشر. في ختام بيانه، شدد المجلس على وحدة السودان ورفض أي تدخل خارجي أو محاولات لتقسيم البلاد، في تأكيد على رغبة أفريقية في احتواء النزاع داخل البيت القاري.
في خضم هذه التطورات السياسية والعسكرية، برزت معلومات عن اجتماع مغلق عقدته قيادات من الحركة الإسلامية السودانية قبل سقوط الفاشر بأيام قليلة، ناقشت خلاله تداعيات الموقف الميداني واحتمالات استبعاد الإسلاميين من المشهد المقبل.
الاجتماع الذي قاده علي كرتي ناقش خيار “التعبئة العامة” كوسيلة لإعادة تثبيت نفوذ الحركة في ظل ما وصفه المشاركون بتهديد داخلي وخارجي يستهدف وجودهم السياسي والعسكري. هذه النقاشات تزامنت مع انسحاب فعلي لقيادات الجيش من الفاشر قبل سقوطها بيومين، في خطوة كشفت حجم الضغط الذي كانت تتعرض له المدينة، وأشارت إلى أن ما يجري في السودان لم يعد مجرد صراع على الأرض، بل معركة على شكل الدولة وهويتها المقبلة.
بهذا، تبدو الأبيض والفاشر مرآتين تعكسان وجهين للأزمة السودانية: مدينة تحاول إنكار الخطر رغم اقترابه، وأخرى استسلمت لمصيرها بعد حصار طويل. وبينهما، بلد يواجه مفترق طرق خطيرًا، حيث تختلط أوراق الحرب بالسياسة، والدين بالسلطة، والمأساة الإنسانية بالرهانات الإقليمية، في انتظار لحظة قد تعيد تعريف السودان نفسه.
