السودان: حسم قريب أم تفاوض مرتهن؟

تقرير - رشا رمزي

توعد مساعد القائد العام للقوات المسلحة السودانية، الفريق أول ركن ياسر العطا، يوم امس الثلاثاء بـ«نصر حاسم» يقضي على قوات الدعم السريع، متنبئًا بانهيارها الوشيك في ولايات كردفان وإقليم دارفور. تصريحات العطا، التي جاءت خلال اجتماع مع قادة «القوة المشتركة» على هامش اجتماع مجلس الأمن والدفاع الوطني، لم تكن مجرد «خطاب حماسي» تقليدي؛ بل حملت رسائل عسكرية وسياسية داخلية وخارجية، صاغت مشهداً مزدوجاً من التصعيد الميداني والاستعداد لاستكشاف مسارات تفاوضية برعاية دولية.

هذا التقرير يحاول تفكيك عناصر المشهد كافة، وربط خطوط التعارض والتقاطع بين الخيار العسكري المتصاعد والنافذة الدبلوماسية المفتوحة، مع إيلاء الاهتمام بكل المكونات التي أوردها البيان الرسمي والتقارير المصاحبة.

لغة التصعيد: «حرب الكرامة» واستنفار شامل

وصف العطا معركته بأنها «حرب الكرامة»، وأعلن بثقة أن «قوات الدعم السريع ستهرب من كردفان كما هربت من جيلي وأمدرمان وبحري وشرق النيل والخرطوم والجزيرة وسنار والنيل الأبيض». ولم يكتفِ بذلك: شدد على وحدة الصف بين «الجيش، والقوة المشتركة، وجهاز المخابرات، ودرع السودان، والمقاومة الشعبية»، ودعا إلى استنفار شعبي وتعبئة عامة للقضاء على ما وسمه «المليشيا». هذه اللغة العسكرية القوية تهدف إلى تحقيق أهداف عدة: رفع المعنويات لدى أتباع الجيش، تحفيز الحلفاء الميدانيين، ولجم التأثير السياسي لأي اختراق تفاوضي قد يعتبر مكسبًا للدعم السريع.

المجلس الأعلى للأمن والدفاع، برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أعلن رفع مستوى الاستعداد العسكري، وتبنّى قرارًا بموازاة الخطاب العسكري للانفتاح المحدود على مبادرات السلام، وهو ما يظهر محاولة لصياغة موسّعة للسياسة تحسباً لسيناريوهات متعددة: حسم عسكري أو هدنة أو توافق مشروط.

الرياعية الدولية

التصعيد الميداني مقابل النافذة الدبلوماسية

على الأرض تبلورت معطيات مزدوجة: من جهة، إعلان تكثيف العمليات العسكرية واستباق تحركات الدعم السريع، ومن جهة أخرى، استقبال ترحيبي مشروط من جانب القيادة بـ«المبادرة الأميركية» لإحلال السلام. هذا التوازن يعكس قراءة قيادات الجيش: الحفاظ على زخم الهجوم لكسب ورقة تفاوضية، وفي الوقت ذاته إبقاء قنوات الحل السياسي مفتوحة من أجل استقطاب اعتراف دولي أو تخفيف الضغط الإنساني والاقتصادي عن البلاد.

مصادر إعلامية ودبلوماسية أكدت عن وثيقة أميركية عُرضت على وفدي الجيش والدعم السريع في واشنطن بعنوان «هيكل إعلان مبادئ لهدنة إنسانية على جميع التراب السوداني»، وتضمنت أربعة محاور رئيسية: الحفاظ على سيادة البلاد ووحدتها، تحديد توقيت ومدة الهدنة، فصل القوات، وآليات رصد الانتهاكات وتمهيد عملية تفاوضية سياسية. هذه الوثيقة تبدو مصممة لتأمين «تجميد ميداني» يكفل وصول المساعدات وتهيئة بيئة تفاوضية، غير أنها تقلق جانبًا من العسكر لأن بعض بنودها قد تعيد إنتاج واقع النفوذ في شكلٍ يكافئ طرفي الصراع.

القاهرة في الخلفية: مبدأ «اليد البيضاء»

على المستوى الإقليمي، أطلّ صوت مصري رسمي عبر تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي التي ردّت على تهديدات حميدتي السابقة بخصوص ضرب دولة مجاورة، مؤكدة أن موقف القاهرة «استراتيجي ومسؤول»، وأن مصلحة مصر الأولى «هي مصلحة الشعب السوداني». كلام عبد العاطي جاء كإعادة تأكيد على موقف محوري: السعي إلى حماية الأمن الإقليمي عبر مبدأ «اليد البيضاء» والتعامل الدبلوماسي، مع تأكيدات على احترام السيادة وعدم «التلطخ بدماء الأبرياء». التصريحات المصرية تهدف إلى إطفاء شعل النار الإقليمية وفتح قنوات تفاوضية يقودها الوسطاء الإقليميون، وهي إشارة ضمنية لرفض أي تهديدٍ يمكن أن يجرّ البلاد نحو تصادم مع مصر.

اجتماع برهان ـ حميدتي المرتقب: اختبار لجدية التوافق

في خضم هذه الحركات، تُستعد القاهرة لاستضافة لقاءٍ مرتقب بين رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي). إن انعقاد لقاء كهذا سيكون علامة فارقة: إما أنه بداية لركن الطرفين إلى حلّ تفاوضي برعاية إقليمية، أو مجرد مسرحية تفاوضية تنتهي بلا قرارات حاسمة. المعطى المحوري هنا أن أي لقاء لا يكون مصحوبًا بضمانات تنفيذية ومراقبة دولية فعّالة سيبقى هشًا أمام واقع انتشار السلاح والميليشيات وشبكات التهريب.

من يسلّح من؟ اتهامات وسؤال الشفافية في شبكات الإمداد

أدخلت اتهامات أخرى بُعدًا دوليًا للمأزق حين اتهم إدريس لقمة، زعيم حركة العدل والمساواة، دولًا غربية من بينها أوكرانيا بتزويد الدعم السريع بأسلحة عن طريق وسطاء وشبكات معقدة، مؤكدًا أن السلاح «غربي المنشأ» ويشمل مركبات وذخائر وأنظمة قتالية. مطالبة لقمة بتحقيق دولي في شبكات التوريد تعيد إلى الواجهة سؤال تأثير الإمدادات الخارجية على توازن القوى ومصداقية أي حلول سياسية: إما حل داخلي حقيقي أو تحويل البلاد لساحة صراع بالوكالة، وهذا يضاعف صعوبة التحقق من مسارات السلاح دون آليات دولية محكمة.

حرب السودان

مسارات محتملة: سيناريوهات وغايات كل طرف

إذا حاولنا قراءة المشهد التكتيكي ـ الاستراتيجي فنرى أربعة سيناريوهات أساسية:

يتمثل السيناريو الأول في الحسم العسكري الجزئي عبر استمرار الجيش في حملته لاستعادة مناطق، خصوصًا في كردفان ودارفور، قد يؤدي إلى مكاسب إقليمية لكن بتكلفة إنسانية وبنية تمرد مستمرة، وربما تهجير واسع.

أما الطريق الثاني فعبر هدنة مؤقتة مدعومة دولياً؛ بقبول طرفي النزاع لورقة الهدنة الأميركية قد يوفر فسحة زمنية للغوث الإنساني والمفاوضات، لكنه يظل هشاً إن لم تتضمن آليات فصل حقيقي للقوات ورقابة شفافة.

وهنا احتمال أخر الا وهو تدويل الصراع؛ فتصاعد الاتهامات بتوريد سلاح عبر وسطاء قد يدفع المجتمع الدولي لتشديد العقوبات أو فتح تحقيقات، الأمر الذي قد يزيد عزلة بعض الأطراف ويفتح ملف المحاسبة الدولية (بما في ذلك المساءلة على انتهاكات إنسانية).

وأحيرا حل تفاوضي شامل بالرغم أن حدوثه أقل احتمالًا في الأمد القصير لكنه الأكثر استدامة؛ يتطلب تنازلات حقيقة وفتح ملفات الضمانات الأمنية والسياسية، وربما مشاركة إقليمية فعّالة لضمان تنفيذ الاتفاق.

حرب السودان

البعد الإنساني والسيادة الوطنية: متى تُقدّم الجهود على الصدارة؟

تصاعد العمليات ورفع الجاهزية العسكرية يرافقه تدهور إنساني متوقع: نزوح، انقطاع مساعدات، وانهيار للخدمات. هنا تتقاطع المطالب: الجيش يقدّم واجب استعادة الدولة، والمعارضة والمجتمع المدني يطالبان بضمان سلامة المدنيين، والمجتمع الدولي يصرّ على طرق إيصال المساعدات ومراقبة الانتهاكات. التحدّي الحقيقي هو خلق «قواعد اشتباك» مؤقتة تضمن عدم إلقاء البلاد في حلقة عنف لا نهاية لها، مع الحفاظ على سيادتها وعدم السماح بأن تُستغل الهدنة من قبل جهات خارجية لفرض وقائع جديدة.

توازنات المصالح: ما الذي يريده كل لاعب؟

يستهدف الجيش استعادة السيطرة، تحقيق نصر معنوي ومادي، وحفظ شرعية المؤسسات. بينما قوات الدعم السريع تتمسك بحماية المكاسب الإقليمية، والاحتفاظ بموقع تفاوضي قوي، معرفض الإقصاء السياسي.

في الاتجاه الدولي تسعى الرباعية والداعمون الدوليون (الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون) لتأمين هدنة إنسانية تقي البلاد الأسوأ وتهيئة بيئة تفاوض تقود إلى حل سياسي. بينما تتمسك الدول المجاورة (مثل مصر) بضرورة الحفاظ على الأمن الحدودي، ومنع امتداد النزاع، والاحتفاظ بدور الوسيط الإقليمي.

أما الفاعلون المحليون المدنيون والمقاومة الشعبية فهم يسعون لضمان عدم تهميشهم على طاولة التفاوض ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.

حرب السودان

بين «مسرح حرب» و«مسرح تفاوض»

الخرطوم اليوم في مفترق: خطاب العطا التصعيدي يضع الجيش في وضعية القوة المعنوية، وإعلان رفع الجاهزية العسكرية يظهر استعدادًا لمزيد من العمليات، لكن الدعوة المتزامنة للترحيب بالمبادرة الأميركية تكشف أن القيادة تريد ورقة تفاوضية على نحوٍ قد يمنحها شرعية داخلية وخارجية. اللقاء المرتقب بين البرهان وحميدتي في القاهرة يبقى مفتاحًا محتملاً لكسر حال الجمود، لكنه مشروط بوجود ضمانات عملية وعلنية لتطبيق أي اتفاق.

إذا كان الهدف إنقاذ السودان من التمزق، فالخيار الوحيد المستدام هو دمج الضمانات الميدانية (فصل القوات، آليات رقابة محايدة، وتخفيض التصعيد) مع حلول سياسية تضمن مشاركة فعلية للمدنيين والمكونات القبلية والسياسية، ومع شفافية دولية تقلص من شبكات الإمداد الخارجي للأسلحة. غياب هذا المزيج يعني أن أي «نصر» مؤقت قد يتحول إلى حقبة جديدة من العنف والانتقام، بينما الهزيمة الرمزية أو العسكرية لأي طرف ستفتح المجال لدوائر انتقامية أخرى.

في هذه اللحظة الحرجة، لا يكفي التعبير عن الثقة بالنصر؛ المطلوب خطة وطنية شاملة تُعيد للسودان سيادته وتضع الآليات القانونية والإنسانية لحماية المدنيين، وإلا فستظل البلاد تختبر مسارات تبدو للناظر الخارجي «حسمًا» أو «هدنة» لكنها داخليًا قد تكون مقدمة لفوضى أعنف.

 

Exit mobile version