يشهد المشهد السوداني تحولاً معقداً ومتسارعاً على المستويين السياسي والعسكري، بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. ففي الوقت الذي تتواصل فيه المعارك على الأرض من دنقلا إلى بابنوسة، بدأ الخطاب الدولي، وخصوصاً الأمريكي، يخرج عن صمته التقليدي، ليحمّل للمرة الأولى قوات الدعم السريع المسؤولية المباشرة عن استمرار الأزمة، في خطوة قد تعيد رسم خارطة المواقف الدولية تجاه الصراع.
منذ بدء الحرب، تبنت واشنطن خطاباً متوازناً ظاهرياً، يدعو إلى التهدئة ووقف إطلاق النار دون توجيه اتهام صريح لأي طرف. غير أن تصريح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن “الدعم السريع هو المشكلة الجوهرية” يمثل تحوّلاً سياسياً لافتاً في طريقة مقاربة الولايات المتحدة للأزمة. فحين تدعو واشنطن إلى “حظر فوري وشفاف لتدفق الأسلحة إلى المليشيا”، فإنها لا تكتفي بوصف الواقع، بل ترسل رسالة واضحة إلى العواصم المعنية مفادها أن واشنطن باتت ترى في الدعم السريع تهديداً رئيسياً للاستقرار، وليس مجرد طرف متنازع في حرب أهلية.
هذا التحول لا يمكن فصله عن مسار المعارك الأخيرة في شمال وغرب السودان، حيث تصدت وحدات الدفاع الجوي السودانية لهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مدناً ومرافق حيوية في الولاية الشمالية. الجيش أعلن إسقاط جميع المسيّرات الانتحارية التي أطلقتها قوات الدعم السريع تجاه مطار مروي وسد مروي، مؤكداً أن العملية كشفت عن جاهزية عالية لمواجهة أي تصعيد جديد. هذه الهجمات تمثل نقلة نوعية في طبيعة الحرب، إذ تؤكد امتلاك الدعم السريع لقدرات تكنولوجية متقدمة نسبياً في مجال الطائرات المسيّرة، ما يوسع رقعة التهديد إلى مناطق كانت تُعد آمنة نسبياً.
في المقابل، تتصاعد المعارك في الغرب، حيث تحولت مدينة بابنوسة إلى مسرح رئيسي للقتال. قوات الدعم السريع أعلنت سيطرتها على ثلاثة محاور رئيسية في المدينة، ومحاصرتها للفرقة 22 التابعة للجيش السوداني، بينما تتحدث مصادر طبية عن كارثة إنسانية متفاقمة بسبب الحصار وانقطاع الإمدادات الغذائية والطبية. تقارير محلية أشارت إلى اعتقال أسر مدنية من قبل قوات الدعم السريع، ما دفع شبكة أطباء السودان إلى اتهامها بارتكاب جرائم حرب، فيما نفى مستشار قائد الدعم السريع هذه المزاعم معتبراً أن “المدينة خالية من المدنيين منذ العام الماضي”.
تتزامن هذه التطورات الميدانية مع تصاعد قلق المجتمع الدولي. ففي بيان حاد اللهجة، وصفت مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى النزاع في السودان بأنه “أكبر أزمة إنسانية في العالم”، مشددة على ضرورة وقف الأعمال العدائية فوراً. البيان تضمن إشارات صريحة إلى الانتهاكات الجسيمة التي تشهدها مناطق النزاع، بما في ذلك العنف الجنسي ضد النساء، مطالباً بتحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عنها.
وفي الوقت الذي تتكثف فيه الإدانات الدولية، جددت الولايات المتحدة دعوتها إلى هدنة إنسانية شاملة، تمهد لوقف دائم لإطلاق النار وبدء مرحلة انتقالية نحو الحكم المدني. غير أن هذا المسار يواجه تعقيدات سياسية متزايدة، بعد أن أعلنت الحكومة السودانية رفضها التعامل الرسمي مع “المجموعة الرباعية الدولية” التي تضم واشنطن والرياض والقاهرة وأبوظبي، معتبرة أنها “كيان غير معتمد دولياً”. وبدلاً من ذلك، فضلت الخرطوم التنسيق الثنائي مع بعض هذه الدول، وهو ما يعكس حذرها من الضغوط الخارجية التي قد تمس سيادتها أو تميل لصالح الدعم السريع.
المجموعة الرباعية كانت قد اقترحت هدنة إنسانية تمتد من ثلاثة إلى تسعة أشهر، تتضمن ترتيبات أمنية لسحب قوات الدعم السريع من المناطق التي سيطرت عليها ونشر قوات من الشرطة السودانية بدلاً منها. الحكومة السودانية أبدت موافقة مشروطة على المقترح، مشترطة إنشاء آلية دولية لمراقبة تنفيذ الهدنة ومنع تدفق السلاح إلى المليشيا. في المقابل، أبدت قوات الدعم السريع “ترحيباً مبدئياً”، لكنها لم تلتزم بسحب قواتها، ما يعكس انقساماً في الإرادة السياسية بين طرفي النزاع.
وسط هذه المعادلة المعقدة، يظهر الموقف الأمريكي الجديد كإشارة إلى نفاد صبر واشنطن من مناورة الدعم السريع على الأرض ومن محاولتها فرض واقع عسكري يعرقل أي تسوية. فالتصريح الذي أدلى به ماركو روبيو لا يمثل مجرد موقف لحظة، بل قد يكون تمهيداً لإعادة هيكلة الموقف الدولي عبر العقوبات أو القيود على تسليح المليشيا، وربما دفع مجلس الأمن نحو قرار جديد يحد من قدرتها على الاستمرار في القتال.
على الأرض، يظل السودان غارقاً في دوامة العنف الممتد، بينما تتآكل مؤسسات الدولة ويتدهور الوضع الإنساني بصورة غير مسبوقة. ومع تصاعد القتال في الشمال والغرب، واستمرار الحصار على المدن الكبرى، تبدو البلاد أمام لحظة حاسمة: إما انخراط جدي في عملية سياسية بإشراف دولي متوازن، أو انزلاق أعمق نحو تفكك الدولة وتحوّل النزاع إلى حرب إقليمية بالوكالة.
التحول الأمريكي الأخير يعيد ترتيب الأوراق، لكنه لا يقدّم وحده مخرجاً من الأزمة. فالمفتاح الحقيقي لا يزال في الداخل السوداني، حيث تتطلب أي تسوية توافقاً وطنياً شاملاً يعيد تعريف العلاقة بين الجيش والدعم السريع، ويضع حداً لاستخدام المدنيين وقوداً في حربٍ بلا نهاية واضحة. ومع استمرار الحرب، يبدو أن السؤال لم يعد متى سيتوقف القتال، بل إلى أي مدى يمكن للسودان أن يتحمّل مزيداً من الانقسام قبل أن يفقد ذاته تماماً.
