تتخذ الحرب السودانية مساراً أكثر تعقيداً كلما تقدمت العمليات العسكرية وازدادت تشابكات الإمداد الخارجي، بينما تتصاعد الانتهاكات بحق المدنيين ويستحكم الانقسام السياسي حول مستقبل البلاد. وبينما يعلن الجيش السوداني عن “زحف واسع” نحو دارفور وكردفان لاستعادة السيطرة على المناطق الحيوية، تتسع رقعة الهجمات الجوية بالطائرات المسيّرة وتمتد إلى منشآت النفط في ولايات بعيدة عن مركز الصراع التقليدي، فيما تتحرك قوى إقليمية ودولية داخل المشهد بما يعكس تشابك الأجندات والمصالح في منطقة تعيش على حافة الانهيار.
في هذا السياق العسكري المتوتر، شدد قائد القوات البرية الفريق الركن رشاد عبد الحميد على أن الجيش “لن يضع السلاح” قبل القضاء الكامل على ما يصفه بـ”الميليشيا الإرهابية”، مؤكداً أن العمليات الراهنة لا تواجه تمرداً داخلياً فحسب، بل تقاتل مرتزقة أجانب يمتلكون عتاداً متطوراً يزيد من كلفة الحرب وتعقيداتها. ويأتي هذا الخطاب ضمن محاولة لإعادة رسم صورة الجيش بوصفه القوة الأخيرة المتماسكة القادرة على استعادة الدولة في ظل فوضى تتسع وتتمدد.
ويتقاطع هذا الطرح مع ما بثّته الإعلامية السودانية رشان أوشي حول “أول انتصار ميداني” للقيادة المشتركة التي تشكلت مؤخراً في الخرطوم، إذ تحدثت عن تحرير مواقع محورية في كردفان تمهيداً لـ“الزحف نحو دارفور”. ورغم الطابع التعبوي لهذا الخطاب، فإنه يعكس رغبة الحكومة في بورتسودان في إظهار تقدم عسكري يوازن الضغوط الدولية ويعيد ترميم الثقة داخل قاعدتها السياسية والاجتماعية.
غير أن هذا الاندفاع العسكري يصطدم بصورة مغايرة في الميدان، خصوصاً في مدينة الفاشر التي يعيش سكانها تحت تهديد مباشر بانهيار تام للوضع الإنساني. فقد حذر حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي من “جرائم حرب” وانتهاكات ذات طابع عرقي تهدد باجتثاث ما بقي من النسيج الاجتماعي، مؤكداً أن سقوط المدينة ستكون له عواقب كارثية على مستقبل الإقليم برمّته. وتكشف هذه التحذيرات عن فجوة واسعة بين خطاب الانتصار القادم وواقع المدن العالقة تحت القصف، حيث يتجسد الصراع في صورته الأكثر وحشية.
ومع اشتداد القتال في دارفور ونيالا تحديداً، برز تطور لافت في البنية اللوجستية للنزاع. فقد أكدت مصادر عسكرية من قوات الدعم السريع أن مسار الرحلات الجوية العسكرية تم تحويله من مطار نيالا الدولي إلى مدرج “يوناميد” القديم في السوبر كامب، بعد تعرض المطار لقصف متكرر من طائرات الجيش المسيّرة. وبدا هذا التحول خطوة تكتيكية لإبعاد النشاط العسكري عن المطار الذي خُصص لاحقاً للاستخدامات المدنية، في محاولة للفصل بين المسارين وإعادة توظيف البنى التحتية التي تركتها البعثة الأممية بعد خروجها.
التحركات الجوية لم تقتصر على دارفور، إذ امتدت الهجمات بالطائرات المسيّرة إلى مناطق جديدة قاربت حدود جنوب السودان. ففي مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض، استهدف قصف مسيّر محطة لتكرير النفط وأسفر عن مقتل مهندس وإصابة آخرين، في ضربات جاءت بعد يومين فقط من هجوم مشابه على حقل هجليج النفطي. وتكشف هذه الهجمات المتسلسلة عن انتقال الحرب إلى مرحلة إصابة أعمدة الاقتصاد الحيوية في البلاد، ما يرفع تكلفة الصراع ويفتح الباب أمام اضطرابات أوسع في الإمداد النفطي بين السودان وجنوب السودان، وهما بلدان يعجزان أساساً عن تحمل عبء الحرب.
هذا الاتساع في رقعة الهجمات يرتبط مباشرة بتطورات أخطر تتعلق بإمداد قوات الدعم السريع عبر الحدود الليبية. فقد كشفت معلومات متطابقة حصول الدعم السريع على شحنات ضخمة من الأسلحة وصلت عبر مطار الكفرة الليبي، مصدرها قوات مرتبطة بخليفة حفتر. وتشمل الشحنات عشر طائرات محملة بالأسلحة، إضافة إلى مئات سيارات الدفع الرباعي والمركبات المصفحة القادمة من الإمارات. ويبدو أن هذه الإمدادات، التي تمتد من الأسلحة إلى الوقود كما رصد تقرير “ذا سنتري”، تمنح الدعم السريع قدرة متجددة على المناورة رغم الخسائر الميدانية، في وقت تزداد فيه الضربات الجوية على خطوط الإمداد في المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر.
وبينما يشتعل الميدان، تواصل المناطق الحدودية مع تشاد الانزلاق نحو حالة من الفوضى. ففي مدينة الطينة، أدى خلاف بين عناصر من التحالف السوداني إلى اشتباكات داخلية أسفرت عن قتيل ومصابين، وسط تصاعد عمليات النهب والابتزاز التي يتعرض لها المدنيون. وتزداد خطورة هذه الأحداث حين تقترن بقصف مسيّر دموي قبل أسابيع أوقع أكثر من ثلاثين قتيلاً وأغلق السوق والمستشفى، ما دفع مئات السكان إلى الفرار نحو الأراضي التشادية بحثاً عن ملاذ من العنف.
وفي مقابل هذا التدهور، أعادت قطر التأكيد على موقفها الداعم لوحدة السودان والمندد بالانتهاكات في الفاشر، مطالبة بوقف التدخلات الخارجية وتكثيف الدعم الإنساني. لكن هذا الموقف، على أهميته الرمزية، يواجه واقعاً تتداخل فيه أجندات دولية وإقليمية تتجاوز قدرة أي طرف منفرد على كبح جماح الحرب.
التشابك الإقليمي والدولي يمثل في ذاته محوراً مركزياً لفهم طبيعة الصراع، وهو ما أوضحه الدكتور عبد الناصر علي الفكي، أستاذ علم الاجتماع السياسي، الذي يرى أن الآلية الرباعية – المكونة من الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات – ليست إطاراً ثابتاً بقدر ما هي أداة ضمن صراع دولي أكبر على النفوذ والموارد. ويرجح الفكي أن يتوسع إطار الرباعية مستقبلاً ليشمل أطرافاً جديدة، مع اشتداد التنافس حول البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وتزداد الصورة تعقيداً مع إعلان وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم تبرؤ الحكومة من الآلية الرباعية بدعوى عدم امتلاكها غطاء دولياً، مؤكداً أن التعامل يجري مع أعضائها كلٍّ على حدة. هذا الموقف يشي برغبة الخرطوم في إعادة هندسة علاقاتها الخارجية بما يمنحها مساحة من المناورة، خصوصاً في ظل الصراع المصري الإثيوبي حول البحر الأحمر، والمطالب الإثيوبية المتجددة بالحصول على منفذ بحري، وهي قضايا يتقاطع فيها ما هو محلي بما هو دولي على نحو وثيق.
ووسط هذه التوازنات المتشابكة، يشير الفكي إلى دور الأسلحة الصينية التي أصبحت جزءاً من مشهد الحرب، من منظومات الدفاع الجوي إلى المضادات الأرضية التي أثبتت فعاليتها في نزاعات أخرى. ويرى أن دخول الصين بثقلها في سوق السلاح السوداني يضيف طبقة جديدة من التنافس الدولي، حيث تتقاطع مصالح واشنطن وبكين وموسكو في ساحة واحدة، لكل منها حساباتها الخاصة تجاه السودان والبحر الأحمر.
في المقابل، تبدو الجهود الأمريكية لمحاولة احتواء الصراع غير قادرة على إحداث اختراق حقيقي، رغم التحركات المتكررة لمبعوثين ومسؤولين. وترى الحكومة السودانية أن هذه الجهود يمكن استثمارها لتحقيق مكاسب سياسية تكتيكية، حتى وإن كان الثمن يتجسد في تدهور الأوضاع الإنسانية على الأرض. وهو ثمن يدفعه المواطنون في مدن مثل الفاشر ونيالا والطينة، حيث تنكشف هشاشة المبادرات الدولية وتتلاشى قدرتها على منع الانتهاكات أو حماية المدنيين.
ومع غياب قرار واضح من مجلس الأمن يضع إطاراً ملزماً لأي تسوية، تستمر القوى الإقليمية والدولية في استخدام الحرب السودانية كورقة ضمن صراعات أكبر، فيما تواصل اللجان الدولية فشلها في التوصل إلى آلية تحقيق موحدة حول الانتهاكات. ويشير الفكي إلى أن هذه الانقسامات تجعل السودان ساحة لحروب بالوكالة، يتراجع فيها الاعتبار الإنساني لصالح لعبة النفوذ.
وفي نهاية هذا المشهد المتداخل، يبدو واضحاً أن السودان يحتاج إلى ما يتجاوز الضغوط الخارجية أو المبادرات المتعثرة. يحتاج إلى إرادة وطنية قادرة على وقف النزيف، وتأسيس حدٍ أدنى من التوافق الداخلي يمنع البلاد من الانزلاق أكثر في أتون الفوضى. وبينما تستمر المعارك دون أفق، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كانت القوى السودانية قادرة على التقاط الفرصة الضائعة قبل أن يتحول الصراع إلى حالة دائمة تتجاوز قدرة أي طرف على السيطرة أو التراجع.
