وصل إلى مطار جوبا الدولي يوم الأحد الموافق 16 نوفمبر 2025، سبعة وعشرون (27) شابًا من جنوب السودان، بعد أن تم إطلاق سراحهم من سجن “ميزان” في جنوب غرب إثيوبيا، حيث قضوا ما يقارب عامًا كاملًا خلف القضبان بتهمة عبور الحدود بطريقة غير قانونية.
خلفية الاحتجاز
ينحدر الشبان المفرج عنهم من ولاية شرق الاستوائية (Eastern Equatoria State)، وكانوا يعملون كمربّي ماشية ورعاة في المناطق القريبة من الحدود الإثيوبية. ووفقًا لمصادر محلية، فإن عملية احتجازهم بدأت في ديسمبر 2024 بعد أن تجاوزوا الحدود الإثيوبية على ما يبدو أثناء تنقلهم بحثًا عن المراعي، في منطقة تتسم بضعف الرقابة الحدودية والتداخل القبلي.
وقد وُجّهت إليهم تهمة العبور غير المشروع إلى الأراضي الإثيوبية، وهو ما يعكس بوضوح هشاشة الحدود وسرعة تحول التنقلات اليومية البريئة إلى قضايا ذات طابع قانوني وسيادي.
جهود دبلوماسية حثيثة
قادت حكومة جنوب السودان جهودًا دبلوماسية متواصلة امتدت لأسابيع، عبر التنسيق المشترك بين مكتب المبعوث الرئاسي الرفيع للبرامج الخاصة، ووزارة الخارجية والتعاون الدولي، وسفارة جنوب السودان في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وقد لعبت هذه الجهات دورًا محوريًا في التفاوض مع السلطات الإثيوبية لتأمين إطلاق سراح المحتجزين.
وحضر مراسم الاستقبال في مطار جوبا المدير التنفيذي في مكتب المبعوث الرئاسي، السيد وول أكول، الذي عبّر عن امتنان الحكومة العميق لتعاون الجانب الإثيوبي في تسهيل عودة هؤلاء المواطنين.
تعقيدات الواقع الحدودي
تسلط هذه الواقعة الضوء على تعقيدات المشهد الحدودي بين جنوب السودان وإثيوبيا، خاصة في المناطق الريفية حيث يعيش المواطنون على نمط الرعي والتنقل المستمر، دون فهم أو احترام كافٍ للحدود الرسمية. وغالبًا ما تتحول هذه التنقلات إلى صراعات قانونية أو نزاعات عسكرية مصغّرة في ظل غياب آليات فعّالة لضبط الحدود والتعامل مع المدنيين العابرين بطرق غير نظامية.
كما تكشف الحادثة عن ضعف الحماية القانونية التي يتمتع بها الرعاة والعمال البسطاء الذين يجدون أنفسهم في مرمى قوانين الهجرة والتعدي على السيادة دون قصد أو وعي.
تساؤلات قائمة
ورغم نهاية القصة بإطلاق سراح المحتجزين، تبقى هناك تساؤلات قائمة بشأن ظروف احتجازهم داخل إثيوبيا، والمعايير القانونية التي خضعوا لها، ومدى توفر الدعم القنصلي خلال فترة اعتقالهم. كما يثار تساؤل حول مدى وجود ضمانات لعدم تكرار هذه الحوادث في المستقبل، خاصة في ظل عدم ترسيم فعلي للحدود أو اتفاقات مرعى مشتركة.
توصيات ومآلات
تدعو هذه الحادثة الحكومة والمؤسسات الإقليمية إلى:
• تعزيز التوعية القانونية لسكان المناطق الحدودية بشأن قوانين الهجرة والعبور.
• تسريع ترسيم الحدود بين جنوب السودان والدول المجاورة، خاصة في المناطق التي تشهد تنقلات رعوية.
• إطلاق حوار مشترك مع إثيوبيا بشأن إدارة ملف الرعاة والعابرين الحدوديّين، ووضع آليات تفاهم لتجنّب الاعتقالات التعسفية.
• تعزيز التمثيل القنصلي في الدول المجاورة، خاصة في أديس أبابا، لضمان التدخل السريع في حالات مشابهة.
خاتمة
تمثل عودة هؤلاء الشباب إلى وطنهم نهاية فصل صعب، ولكنها أيضًا تفتح الباب لنقاش أوسع حول حقوق المواطنين الحدوديين، ودور الدولة في حمايتهم قانونيًا وإنسانيًا. إنها دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في السياسات الحدودية وتحقيق التوازن بين السيادة والأمن الإنساني، في ظل واقع متداخل تتقاطع فيه حياة الناس مع خطوط السياسة.
