ظلّ المجتمع السوداني لعقود طويلة يتميّز بقوة ترابطه الأسري وصلابة نسيجه الاجتماعي، خاصة من خلال نموذج الأسرة الممتدة التي تجمع تحت سقف واحد الجد والحبوبة والوالدين والأعمام والأبناء في علاقة تقوم على الرحمة والاحترام والتكافل.
هذا النموذج ظلّ يمثل أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي وركائز التربية والأمان العاطفي للسودانيين، كما شكّل خصوصية فريدة ميّزت السودان عن محيطه الإفريقي والعربي.
ورغم بعض التغيرات التي شهدها المجتمع في السنوات الأخيرة، نتيجة الحداثة وتبدل الأجيال، إلا أن الأعراف والتقاليد والقيم الدينية والاجتماعية بقيت قادرة على حماية هذا الترابط والحفاظ على متانته.
غير أن الحرب التي اندلعت في السودان أحدثت زلزالاً اجتماعياً غير مسبوق، ضرب عمق الأسرة السودانية وهزّ تماسكها التاريخي. فقد تسللت الانقسامات السياسية والعسكرية إلى داخل البيوت، وتحولت الاختلافات في المواقف إلى خطوط صراع حادة قسمت الأسرة إلى داعم ومتمرد ومليشي ومحايد وكوز وغير ذلك من المسميات التي أصبحت جزءاً من لغة الحياة اليومية.
ومع الوقت، لم يعد الخلاف مجرد رأي، بل أصبح سبباً للخصام وقطع الأرحام وتوتر العلاقات بين الإخوة وحتى بين الآباء والأبناء، وتراجع دور كبار السن الذين كانوا يملكون الحكمة والقدرة على تهدئة النفوس.
ومع هذا التصدع الداخلي، ظهرت أيضاً موجة جديدة من العصبيات القائمة على الانتماء المناطقي أو القبلي، وتزايدت التصنيفات التي تضع السودانيين في مجموعات متقابلة مثل أولاد الغرب وأولاد البحر واولاد الشمال، وسكان الولايات والنازحين، وعرب وزرقة وغيرها وهي تصنيفات ساهمت في نشر خطاب الكراهية والاتهامات المتبادلة، وأضعفت الإحساس بالمواطنة المشتركة والوحدة الاجتماعية.
وتحت ضغط الخوف والجوع والنزوح وانهيار الاقتصاد، ارتفع منسوب التوتر داخل الأسر، وبدأ العنف يتسلل إلى البيوت في ظاهرة غير مألوفة على المجتمع السوداني المعروف بالتسامح والسترة.
وشهدت البلاد خلال الفترة الأخيرة حوادث أسرية هزّت الرأي العام، من بينها حادثة بحري التي فقدت فيها أسرة كاملة مكونة من إخوة وأخوات حياتها على يد ابن أخيهم بسبب خلاف بسيط لم يكن ليستحق حتى نقاشاً حاداً، لكنه في ظل أجواء الحرب تحول إلى مأساة غير مفهومة. وتكررت هذه المشاهد في أكثر من مكان، حيث دفعت الضغوط النفسية والاجتماعية بعض الشباب إلى ردود فعل عنيفة، وفقدت الأسر القدرة على ضبط سلوك أفرادها أو احتواء غضبهم.
ومع تصاعد النزوح وتشتت السودانيين بين ولايات البلاد والدول المجاورة، تفككت الأسرة الممتدة التي كانت تمثل صمام الأمان الاجتماعي.
وأصبح من المعتاد أن نجد الأسرة الواحدة موزعة بين مصر وكينبا يوغندا ودول الخليج وتشاد وإثيوبيا ومدن السودان المختلفة، فغاب دور الجدود والحبوبات الذين كانوا يشكلون مركز الحكمة والطمأنينة، وتحمّلت النساء أعباءً مضاعفة في ظل غياب العائل، وفقد الأطفال البيئة المستقرة التي تكوّن شخصيتهم وتحميهم من الاضطرابات النفسية.
ومع هذا التفكك، تراجعت أيضاً مجالس الشاي والحكاوي التي كانت تعزز العلاقات بين الجيران والأهل، وحلّت محلها لغة قاسية يفرضها الخوف وعدم اليقين وقلق المستقبل.
إن الحرب في السودان لم تدمّر المباني فقط، بل دمّرت العلاقات والروابط والقيم التي شكّلت لسنوات طويلة أساس المجتمع السوداني. وإذا لم تُتخذ خطوات جادة لإعادة بناء الثقة ومعالجة الآثار النفسية والتركيز على المصالحة المجتمعية ومحاربة خطاب الكراهية، فإن الجراح التي خلّفتها الحرب قد تستمر لأجيال قادمة.
فترميم النسيج الاجتماعي اليوم لا يقل أهمية عن وقف إطلاق النار، بل هو شرط أساسي لنهضة السودان واستعادة روحه الإنسانية التي طالما اشتهر بها.
