أم سيالة تحت النار… تصاعد المعارك واتساع دائرة الأزمة بين الشمال والغرب والخرطوم

تقرير - رشا رمزي

يتحوّل المشهد العسكري في شمال كردفان إلى مسرح مفتوح تتقاطع فيه الروايات، بينما تتناثر إشارات متضاربة حول السيطرة الميدانية واتجاهات القتال. وتتقدّم منطقة أم سيالة إلى صدارة المواجهة بعد إعلان قوات درع السودان تنفيذ عملية قتالية وصفتها بالناجحة، مقابل تأكيد قوات الدعم السريع صدّ الهجوم واستعادة السيطرة الكاملة على المنطقة. وبين هذين الإعلانين يتشكّل مشهد معقد يعكس طبيعة الحرب الحالية في كردفان، حيث لا حسم نهائياً ولا خطوط ثابتة، فيما تتسع تداعيات القتال لتشمل السياسة، الإعلام، والتحركات الإقليمية والدولية.

في تفاصيل العملية الأولى، قالت قوات درع السودان إنها نفذت “مهمة عسكرية قتالية” استهدفت مواقع في أم سيالة، مشيرة إلى أنها كبّدت الدعم السريع خسائر كبيرة رغم التعزيزات الهائلة التي دفعت بها الأخيرة عبر ثلاث موجات برية متتالية مدعومة بالطيران المسيّر والمدفعيات الثقيلة.

 

قوات الجيش

 وقدّمت درع السودان روايتها باعتبار العملية خطوة تمهيدية تفتح الباب أمام مراحل لاحقة، مؤكدة أن الهدف العملياتي تحقق بتحطيم قدرات الخصم وكسر شوكته في المنطقة. ومع ذلك، ظل غياب أي إعلان عن السيطرة الأرضية عاملاً لافتاً يدل على طبيعة المعركة المتحركة التي تخاض دون خطوط تماس مستقرة.

توازياً مع ذلك، أعلنت قوات الدعم السريع أنها صدّت الهجوم الذي شنّته القوات المسلحة والقوات المساندة لها في أم سيالة، مضيفة أنها ألحقت خسائر بالقوات المهاجمة وتمكنت من الاحتفاظ بمواقعها. ومع أن بعض المصادر العسكرية تحدثت في وقت مبكر من اليوم ذاته عن تقدم للجيش نحو المنطقة، فإن التطورات اللاحقة أظهرت أن السيطرة الميدانية لم تستقر لصالح أي طرف، قبل أن تؤكد الدعم السريع بعد ساعات استعادتها السيطرة الكاملة عبر عملية التفاف سريعة.

يتعقد المشهد أكثر مع إصابة قائد قوات درع السودان أبو عاقلة كيكل، الذي قالت مصادر عسكرية إنه استُهدف بمسيّرة في أم سيالة أثناء العمليات.

قوات الجيش

 ورغم أن القوات لم تصدر نفياً أو تأكيداً رسمياً، إلا أن إصابة شخصية بارزة مثل كيكل تُعد تطوراً مؤثراً في توازنات القتال، خصوصاً أن الرجل كان قد انشق عن الدعم السريع في أكتوبر 2024 لينضم إلى الجيش والقوة المشتركة في معارك استعادة ولاية الجزيرة، ولاحقاً أصبح أحد أبرز القادة الميدانيين في محاور كردفان.

وإلى جانب أم سيالة، يبرز محور بابنوسة في غرب كردفان كمسرح تصعيد جديد، حيث تواصل قوات الدعم السريع حشد قواتها في محاولة للسيطرة على مقر الفرقة 22 مشاة. هذا الانتشار يعكس اتساع نطاق الاشتباكات وتحوّل كردفان إلى إقليم تتقاطع فيه مسارات القتال على أكثر من جبهة، ما يجعل أي تقدم ميداني لأي طرف هشاً وقابلاً للارتداد خلال ساعات.

قوات الجيش

على مستوى أوسع، تتشابك المعارك مع مشهد سياسي بالغ الاضطراب، تُلقي فيه الحرب بظلالها على المؤسسات والسلطة الانتقالية. فتحت هذه الخلفية، انفجرت أزمة إعلامية غير مسبوقة بعد نشر وكالة السودان للأنباء خبراً منسوباً إلى مكتب رئيس الوزراء كامل إدريس يرد فيه على مقال رأي للصحفي عزمي عبد الرازق، وهو ما اعتُبر تجاوزاً صارخاً للمهنية. بدا الموقف صدامياً إلى درجة تركت انطباعاً بأن الوكالة الرسمية تحولت إلى منصة لتصفية الحسابات، خاصة بعد أن نُشر الرد بصياغة هجومية غير معهودة في البيانات الرسمية.

أثار ذلك موجة غضب واسعة داخل الوسط الصحفي. وقالت الصحفية رشان أوشي إن ما حدث يمثل سقوطاً إعلامياً يكشف اختطاف المؤسسات، منتقدة ظهور ابن شقيق رئيس الوزراء مدافعاً عنه دون صفة رسمية. وفي مواجهة هذه الانتقادات، اضطر وزير الإعلام خالد الأعيسر إلى الاعتذار، موضحاً أن الوكالة نشرت الخبر دون الرجوع إليه، في خطوة عكست حجم الارتباك داخل مؤسسات الدولة المنهكة بالحرب.

قوات الجيش

أما رئيس الوزراء نفسه، فكانت رحلته إلى جنيف محوراً للإشاعات حول غيابه واحتمالات إقالته، قبل أن يؤكد مكتبه أنه يتابع الأوضاع بشكل يومي وأن عودته ستكون نهاية الأسبوع. وأوضح مصدر عسكري أن رحلته مرتبطة بتلقي العلاج، نافياً وجود نية لإقالته، في وقت تستمر فيه الانتقادات لأدائه من بعض الكتاب والصحفيين.

إقليمياً ودولياً، تتزايد التحذيرات من الانهيار الإنساني. فقد أكدت مجموعة رؤساء البعثات المتشابهة التفكير، خلال اجتماع بالقاهرة، ضرورة رفع القيود الإدارية التي تعطل وصول المساعدات، مشيرة إلى “فظائع وانتهاكات” ارتكبتها الدعم السريع في الفاشر. المجموعة التي تضم دولاً غربية وآسيوية إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، شددت على وحدة السودان وسلامة أراضيه، مؤكدة أن حماية المدنيين وتسهيل الإغاثة يمثلان أولوية عاجلة في ظل استمرار الحرب.

الجيش السوداني

وفي الاتجاه نفسه، عبّر المبعوث الخاص للاتحاد الأفريقي لمنع الإبادة الجماعية، أداما دينق، خلال زيارته لبورتسودان، عن أسفه العميق لما يعيشه السودانيون من مآسٍ، مؤكداً أن الاتحاد الأفريقي سيعمل على تسريع الجهود الرامية إلى وقف الانتهاكات ودعم التوافق الوطني. وخلال لقائه مع وزارة الخارجية السودانية، طُرحت مطالب رسمية بتصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية، في ضوء ما وصفته الحكومة بالانتهاكات الجسيمة المدعومة إقليمياً، خاصة في الفاشر.

كل هذه التطورات، العسكرية والسياسية والإنسانية، تأخذ مكانها في لوحة واسعة من القلق. فلا أم سيالة تُحسم، ولا بابنوسة تهدأ، ولا الحكومة قادرة على تثبيت صورة مستقرة في مؤسساتها، فيما تتسارع التحركات الدولية لتدارك انهيار إنساني يكاد يصبح واقعاً. ومع أن الأطراف المتحاربة تتحدث بلغة الانتصارات، إلا أن خطوط النار في كردفان تبدو أكثر تغيراً من أن تسمح بحسم، ما يجعل الإقليم مرشحاً لمزيد من التصعيد في غياب أي بوادر جادة لمسار سياسي يمكنه أن يوقف هذا الانهيار المتسارع.

Exit mobile version