السودان: ترامب يدخل على خط الحرب بين ترحيب الخرطوم وتعقيدات واشنطن

تقرير - رشا رمزي

يتحرّك المشهد السوداني هذه الأيام كصفحة سياسية تعاد كتابتها تحت ضغط اللحظة الدولية، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تدخله الشخصي لوقف الحرب الدائرة في السودان استجابة لطلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. لم يكن الإعلان مجرد تصريح عابر، بل تحوّل إلى موجة من ردود الفعل السودانية التي قرأت فيه تحولاً في ميزان الاهتمام الدولي، ومحاولة جديدة لإعادة ضبط مسار الصراع الذي دخل عامه الثالث وبدأ يلتهم كل ما حوله.

مع هذا التدخل الأميركي-السعودي المشترك، بدا واضحاً أن الخرطوم تحاول التقاط اللحظة، سواء عبر الترحيب الرسمي من مجلس السيادة، أو من خلال بيانات القوى السياسية والمبادرات المدنية التي اعتبرت أن دخول ترامب على الخط قد يعطي زخماً لمسار الرباعية ويفتح نافذة جديدة أمام إنهاء الحرب.

منذ البداية، سعى مجلس السيادة إلى إظهار انفتاحه على هذا التحرك الدولي. البيان الصادر مساء الأربعاء حمل لغة امتنان واضحة، مؤكداً الاستعداد الكامل للانخراط في المساعي الرامية إلى “السلام العادل والمنصف”. البرهان نفسه كتب على منصة إكس عبارة ذات دلالة: “شكراً الأمير محمد بن سلمان، شكراً الرئيس دونالد ترامب”، في إشارة تعكس رغبة في إرسال إشارات إيجابية للعاصمتين الرياض وواشنطن، اللتين باتتا تمسكان بخيوط أساسية في الملف السوداني.

بن سلمان وترامب

الترحيب لم يقتصر على السلطات القائمة، بل امتد إلى التحالف المدني الديمقراطي “صمود” الذي رأى في الخطوة الأميركية مؤشراً على عودة اهتمام دولي حقيقي. بالنسبة إلى التحالف، فإن تولي ترامب الملف يمنح مسار الرباعية قوة دفع إضافية قد تفضي إلى هدنة إنسانية عاجلة توقف استهداف المدنيين وتسمح بوصول الإغاثة. لكنه في الوقت نفسه لم يغفل الإشارة إلى “القوى التي تعمل على إطالة أمد الحرب”، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية وبقايا النظام السابق، داعياً إلى ممارسة ضغط مدني وشعبي يفتح الباب أمام عملية سياسية تُبنى على السلام والاستقرار.

الخطاب ذاته وجد صداه لدى حزب الأمة القومي الذي عدّ تدخّل ترامب خطوة إيجابية تعزز الجهود الدولية لإنهاء معاناة السودانيين. الحزب وضع جهوده داخل إطار أوسع، مشيداً بدور المبادرة الرباعية التي تضم السعودية والولايات المتحدة والإمارات ومصر، والتي شكلت خلال الأشهر الماضية المرجعية الدبلوماسية الأبرز لإعادة إطلاق العملية السياسية. وذكّر الحزب بأن نجاح أي جهد دولي يتطلب التطبيق الكامل لخارطة الطريق التي تبدأ بوقف إطلاق النار، وتمرير المساعدات دون عوائق، ثم التمهيد لتحول سياسي حقيقي يُعيد تأسيس الدولة السودانية على مبادئ ثورة ديسمبر.

ومع تتابع المواقف، ظهر صوت وزير شؤون مجلس الوزراء بحكومة تأسيس، إبراهيم الميرغني، ليؤكد أن تصريحات ترامب تتيح فرصة لتعزيز مسار الرباعية عبر استبعاد الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني من أي تسوية سياسية مستقبلية. 

بن سلمان

الميرغني اعتبر أن الدور السعودي-الأميركي الجديد قد يشكّل لحظة ضغط مفصلية تفتح الطريق أمام اتفاق شامل، خاصة بعد إدراج الأزمة السودانية على أجندة المباحثات في واشنطن والرياض.

لكن مع كل هذا النشاط الدبلوماسي، عاد الجدل ليتصاعد في واشنطن حول مطالبة أعضاء نافذين في الكونغرس بتصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية، ما ألقى بظلال من الشك حول مستقبل المفاوضات الجارية بين الجيش والدعم السريع في العاصمة الأميركية. فالتصنيف ـ إن تم ـ سيقيد قدرة واشنطن على التعامل المباشر مع أحد طرفي الحرب، ويضع مبادرة الرباعية أمام معضلة قانونية وسياسية معقدة.

شهد أواخر أكتوبر الماضي اندفاعاً قوياً داخل الكونغرس، حين دعا السيناتور جيم ريتش إلى هذا التصنيف، قبل أن ينضم إليه أعضاء من الحزبين عبر بيان مشترك عبّر عن “فزعهم” من ما سموه الإبادة في دارفور. تطور الموقف دفع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى إعلان دعمه للنظر في التصنيف “إذا كان ذلك يساعد في إنهاء الأزمة”، لكنه لم يُخفِ أنه لم يطّلع بعد على المقترح.

هذا التردد يعكس، وفق تحليلات أكاديمية، صراعاً بين الاعتبارات القانونية والمصالح السياسية.

القمة الأمريكية السعودية

 أستاذ العلوم السياسية في جوبا، بنجامين مشار، يرى أن واشنطن تاريخياً تستطيع تجاوز قيود قوانينها عندما تقتضي مصالحها ذلك، مذكّراً بتعاونها السابق مع أحمد الشرع رغم كونه مطلوباً لديها. 

مشار اعتبر أن فرض عقوبات على الدعم السريع وحده غير منطقي في ظل الدعم الذي يتلقاه الجيش من مصر والسعودية وتركيا، مقابل دعم الإمارات للدعم السريع. المشهد الإقليمي بالنسبة له محكوم بتوازنات تجعل من الصعب على الولايات المتحدة تبني موقف متشدد تجاه أبوظبي، خاصة مع حجم استثمارات الخليج في الاقتصاد الأميركي.

البعد الآخر في هذا النقاش يتعلق بجدوى العقوبات نفسها. بكري الجاك، أستاذ السياسة العامة بجامعة لونغ آيلاند، وصف تأثير تصنيف الدعم السريع بأنه سيكون سياسياً أكثر منه قانونياً، لأن قوات الدعم لا تمتلك شركات أو أصولاً في الولايات المتحدة، وقادتها أصلاً يخضعون لعقوبات متعددة. التجارب السابقة، من طالبان إلى الحرس الثوري، تُظهر أن التصنيف لا يعني بالضرورة تغيير السلوك. لذلك يرى الجاك أن الضغوط العقابية لا يمكن أن تكون بديلاً عن مسار تفاوضي مدعوم بحوافز حقيقية.

ترامب

من جهته، أشار مصباح أحمد من حزب الأمة القومي إلى أن الإجراءات الأميركية الأحادية قد تعقّد المشهد، لأنها تفتقر إلى مقاربة شاملة تعالج انتهاكات جميع الأطراف. 

بالنسبة إليه، يعمل مبعوث ترامب بفاعلية داخل مسار الرباعية، لكن تأثير هذا المسار لن يكتمل إلا بضغط متوازن ومساءلة شاملة وتقدم سياسي يضمن تحولاً مدنياً حقيقياً.

وسط كل هذه التعقيدات، برزت أيضاً دعوة لافتة من بنجامين مشار لإعطاء جوبا فرصة أكبر في الوساطة. مشار يرى أن جنوب السودان بحكم علاقته التاريخية مع الخرطوم، وغياب انحيازه لأي طرف، يمتلك قدرة فريدة على لعب دور الوسيط الأكثر حيادية، خاصة وأن الحرب وصلت إلى “طريق مسدود” لا يمكن تجاوزه إلا عبر تفاوض غير مشروط.

هكذا يبدو المشهد السوداني اليوم على مفترق حساس: تدخل أميركي-سعودي يعيد الحياة إلى مسار الرباعية، ترحيب سوداني واسع يعبّر عن رغبة في السلام، وضغوط داخل واشنطن قد تعيد تشكيل قواعد اللعبة السياسية. كل ذلك يحدث بينما يعيش ملايين السودانيين تحت وطأة النزوح والمجاعة وانهيار الخدمات. لحظة دولية كهذه قد تحمل بارقة أمل، لكنها في الوقت نفسه محكومة بتوازنات معقدة، تجعل الطريق إلى السلام أطول مما يتمناه السودانيون، لكنه يظل الطريق الوحيد الممكن للخروج من الحرب التي أرهقت الجميع.

 

Exit mobile version