تتحول كردفان خلال الأسبوع الثالث من نوفمبر 2025 إلى مسرح مفتوح لعمليات عسكرية هي الأوسع منذ سقوط مدينة الفاشر، بعدما أعلن الجيش السوداني تحقيق تقدم نوعي في مختلف المحاور القتالية داخل الإقليم. البيان الصادر عن القوات المسلحة أكد أن وحداتها من الجيش والقوات المشتركة وقوات الإسناد نفذت مهامها الميدانية بكفاءة عالية، وتمكنت من تكبيد قوات الدعم السريع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، مع إعادة الانتشار وفق خطة تستهدف تأمين المواقع الحيوية وفرض معادلة جديدة على الأرض.
هذا الإعلان جاء في وقت يشهد فيه الإقليم مواجهات مستمرة تتقاطع في ثلاث ولايات، حيث يسعى كل طرف لتثبيت سيطرته على المدن والطرق الرئيسية التي تربط غرب السودان بوسطه وشماله، وتمر عبر مفاتيح جغرافية تمتد حتى عمق دارفور. ورغم أن المعارك تتكرر منذ شهور، إلا أن طبيعتها خلال الأيام الماضية تشير إلى موجة جديدة من التصعيد، يختلط فيها الضغط العسكري بالسعي لرفع الروح المعنوية لدى القوات.
في السياق ذاته، كشفت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح عن تنفيذ عمليات وصفتها بـ“الحاسمة” في المحور الغربي لشمال كردفان. البيان أوضح أن القوات استطاعت خلال عمليات دقيقة في جبال أبو سنون وهبيلا السيطرة على أكثر من أربعين عربة بكامل تجهيزاتها وتدمير أربعٍ وأربعين أخرى، إضافة إلى التحفظ على أسرى وفق قواعد القانون الدولي الإنساني.
وتزامن هذا الإعلان مع تأكيد الجيش السوداني أن معنويات مقاتليه في أعلى مستوياتها بفضل ما وصفه بـ“الثقة الشعبية والدعم المستمر”.
ومع اتساع نطاق المواجهات، ظهرت تسجيلات مصورة من عدة محاور شمال كردفان تُظهر اشتباكات ضارية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بينما أعلنت قوات درع السودان إصابة قائدها أبو عاقلة كيكل بجروح طفيفة إثر محاولة اغتيال بطائرة مسيرة. كيكل يقاتل إلى جانب الجيش منذ انشقاقه عن الدعم السريع في أكتوبر 2024، لكن استهدافه الأخير يعكس مدى شراسة المعارك وتعقّد مشهد التحالفات في الإقليم. وفي خضم هذه التطورات، أعلنت الخارجية البريطانية اعتزامها فرض عقوبات محتملة مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان في السودان.
خلال الأيام الثلاثة الماضية، تواصلت المعارك البرية بوتيرة متسارعة، حيث سقط عشرات القتلى والجرحى من الجانبين وفق مصادر محلية ومقاطع فيديو بثها أفراد من الطرفين. ومع تصاعد المعارك، أصبح محور أم سيالة واحداً من أكثر الجبهات سخونة، بعد تعرض كيكل لهجوم بطائرة مسيرة أدى إلى مقتل ثلاثة من أفراد حرسه وقائد ميداني برتبة مقدم. ورغم صمت الجيش السوداني عن التفاصيل، أكدت قوات درع السودان أنها نفذت عملية ناجحة في المنطقة وكبّدت الدعم السريع خسائر كبيرة، بينما أقرت بسقوط قتلى وجرحى من صفوفها.
على الجانب الآخر، أعلنت قوات الدعم السريع أنها صدت هجوماً مباغتاً لقوات درع السودان على أم سيالة، مؤكدة أنها قتلت وأسرت أعداداً كبيرة من العناصر المهاجمة وطاردت فلولها حتى حدود ولاية النيل الأبيض.
هذه الرواية المتعارضة تشي بحدة الصراع المعلوماتي بين الطرفين، في وقت تستمر فيه العمليات البرية الواسعة التي أطلقها الجيش لاستعادة السيطرة على مناطق بارا وكازقيل وأم سيالة.
ومع الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، نفذ الجيش السوداني غارات جوية مكثفة بطائرات مسيّرة على مواقع متقدمة للدعم السريع في المزروب شمال كردفان. مصادر ميدانية تحدثت عن استمرار الجيش في شن هجوم مضاد حول أم سيالة وبارا بهدف توسيع دائرة القتال وإعادة رسم خريطة السيطرة. ورغم الضغط الجوي، ما تزال قوات الدعم السريع متمسكة بمواقعها وتعلن تصديها للهجمات.
التطور الأبرز جاء من دارفور، حيث أعلن مني أركو مناوي، حاكم الإقليم ورئيس حركة تحرير السودان، أن القوة المشتركة الموالية للجيش حققت تقدماً مهماً في جبل أبو سنون ومناطق أخرى، مؤكداً أن الطريق أصبح “مفتوحاً أمام قواته”. وفي المقابل، قالت قوات الدعم السريع إنها نصبت كميناً أدى إلى مقتل وإصابة المئات من الجيش وحلفائه، واستولت على عشرات المركبات المقاتلة وكميات ضخمة من المدافع والذخائر، مشيرة إلى أنها تسيطر بالكامل على الجبهات التي يمكن أن يتقدم منها الجيش شمال وغرب كردفان.
وسط هذا المشهد، تتوسع التكتيكات القتالية القائمة على الكر والفر، ويعتمد كل طرف على نشر مقاطع مصورة لتعزيز روايته. وتشير طبيعة القتال إلى أن الطرفين يخوضان معارك شديدة التعقيد، يختلط فيها السباق نحو السيطرة على الطرق الدولية مع السعي لإثبات التفوق على الأرض، واستعادة المبادرات الميدانية بعد أسابيع من الجمود.
على المستوى الدولي، ترتفع وتيرة التحرك الدبلوماسي، إذ تعمل “الرباعية”—الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر—على تثبيت هدنة إنسانية لثلاثة أشهر تمهيدًا لوقف إطلاق نار شامل. وفي لندن، أكدت وزيرة الخارجية البريطانية إيفات كوبر دعمها لموقف الولايات المتحدة بشأن وقف تدفق السلاح إلى قوات الدعم السريع، مشيرة إلى تكليفها الدبلوماسيين بإعداد مشروع عقوبات ضد الجهات الممولة والمسلّحة للمليشيا. هذا التوجه يعكس تنسيقاً غربياً متزايداً لمحاصرة مصادر قوة الدعم السريع، في محاولة للضغط على الطرفين للوصول إلى تسوية توقف الحرب المتفاقمة.
بهذا المشهد المزدحم بالعمليات العسكرية والتجاذبات السياسية، تبدو كردفان اليوم محوراً مركزياً في تحديد شكل الصراع خلال المرحلة المقبلة، فيما لا تزال كلفة الحرب الإنسانية والأمنية تتصاعد مع كل جولة جديدة من القتال.
