واشنطون ونفوذ الإسلاميين في الجيش السوداني

"مقاربة براغماتية لإدارة الأزمة"

عبد الجليل سليمان

تملك الإدارة الأميركية منذ سنوات معرفة دقيقة بأن قيادة الجيش السوداني تضم تيارات مرتبطة بالحركة الإسلامية (إخوان مسلمين)؛ وهو واقع أكدت عليه تحليلات استخباراتية ودبلوماسية متعمقة ودراسات صادرة عن مراكز أبحاث متخصصة. غير أن هذا الوعي لا يعني أن واشنطن تعتبر الجيش مؤسسة إخوانية صرفة، بل تراها جسماً مركباً يضم تيارات متباينة، بعضها مهني وبعضها مرتبط أبدولوجياً بالنظام السابق.

ولذلك تتجنب الولايات المتحدة اختزال المشهد في ثنائية “جيش إخواني” مقابل “قوات الدعم السريع”، إذ إنّ هذا الاختزال لا يخدم أولوياتها الاستراتيجية الأوسع. فالأولوية الأميركية الأولى هي منع الانهيار الكامل للدولة السودانية، لما يحمله ذلك من مخاطر امتداد النفوذ الروسي، واضطراب البحر الأحمر، وتصاعد موجات اللجوء، وتنامي الجماعات المتطرفة. ومن ثم تظل المؤسسة العسكرية، رغم شوائبها، طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.

في المقابل، لا ترغب واشنطن في تمكين قوات الدعم السريع عسكرياً، ليس انحيازاً إلى الجيش، وإنما بسبب سجل الانتهاكات وطبيعة البنية العسكرية غير المنضبطة والارتباطات الخارجية المقلقة. لهذا تتجه أميركا نحو “مسار ثالث”، يقوم على إعادة هيكلة الجيش وتطهيره من الهيمنة الأيديولوجية، وتمكين سلطة مدنية واسعة تشمل قوى المجتمع المدني، والمهنيين، والنقابات، والفاعلين المحليين.

الخلاصة أن الولايات المتحدة تدرك نفوذ الإسلاميين داخل الجيش، لكنها تتعامل معه باعتباره تحدياً قابلاً للاحتواء، لا سبباً لإقصاء المؤسسة العسكرية برمتها. وهي تسعى إلى توازن يحول دون هيمنة أي طرف — الجيش، الدعم السريع، أو الإسلاميين — على مستقبل السودان، مع الحفاظ على قدر من الاستقرار يضمن انتقالاً مدنياً مستداماً وقابلاً للحياة.

Exit mobile version