حقل النفط على شفا الانهيار: هجليج، بليلة، و(الورقتان) في يد البرهان

تقرير - رشا رمزي

يشهد قطاع النفط في غرب كردفان أزمة عميقة تتكدس فيها المخاطر الأمنية على رأس التبعات الاقتصادية والسياسية. منذ الهجوم الواسع الذي استهدف مربع بليلة في أكتوبر 2023 توقفت عمليات إنتاج في عدد من الحقول، ومع تلاشي الوجود الحكومي في بعض المحاور وتصاعد العمليات قرب هجليج بعد سقوط بابنوسة تحت سيطرة قوات الدعم السريع، تحولت مواقع الإنتاج إلى أهداف استراتيجية تُوازَن كقوة تفاوضية لا كمصدر دخل فقط.

مصادر عاملة في الحقول تقول إن Block 4 مغلق بالكامل منذ أكتوبر 2023 ويشمل حقول نيم ودفرة وكنار، وأن تخريباً واسعاً وسرقة معدات تسبّبا بتوقف الإنتاج كلياً في بعض المواقع، بينما يواصل مربع 2A ووحدة المعالجة المركزية في الهجليج عملهما بقدرة محدودة وسط هجمات بطائرات مسيّرة أدّت إلى أضرار جسيمة وقتلت وجرحت عناصر من الكوادر الفنية. استمرار ضخ الخام في بعض المحاور لا يعني استقراراً؛ فالخطوط والأنابيب التي تصل إلى بورتسودان مُعرّضة دائماً لقطع أو استهداف، ما يجعل أي عودة كاملة للانتاج رهناً ببيئة أمنية مستقرة وخطوات حماية فعالة.

بالاضافة للمشهد المعقط تطغى الأبعاد الميدانية على المشهد: السيطرة الجزئية للدعم السريع على محاور شمال هجليج واقتربها من محطات المعالجة تترك الجيش متعلقاً بقاعدة اللواء 90 فقط، فيما تستمر قوتان متنافرتان في مقاربة الحقول كأدوات نفوذ. هذا الانقسام العسكري على الأرض له أثر مباشر على الجوانب الفنية: تآكل فرق الصيانة، فقدان مخزونات قطع الغيار، صعوبة وصول الفرق الأجنبية أو المحلية نظراً لمخاطر السلامة، وارتفاع كلفة إعادة الإعمار في حال نجحت عمليات الاسترداد الميداني.

حقل هجليج

من هنا كانت التداعيات الاقتصادية فادحة وطويلة الأمد؛ فقدان إنتاج حقول أساسية يعني هبوطاً في احتياطات النقد الأجنبي وإيرادات الخزينة، وتراجعاً في ثقة المستثمرين المحليين والأجانب. كما أن أي أضرار بالخطوط الممتدة إلى البحر الأحمر أو توقفها يعني اضطراب عابر للحدود يؤثر على صادرات جنوب السودان المتدفقة عبر منظومة خطوط الأنابيب نفسها، ما يجعل المشكلة محورية إقليمياً وذات انعكاسات فورية على ميزانيات البلدين.

داخل هذا الإطار الأمني والاقتصادي المعقد، برز بعدوان سياسي آخر هو “قضية الورقتين” التي طُرحتا على رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وهو ما أضاف طبقة من الارتباك إلى المشهد. الورقة الأولى التي ذُكر أنها قُدمت من جانب فريق أميركي تقوده مبادرة الرباعية (الولايات المتحدة ومصر والإمارات والسعودية) وتمثل مقترح هدنة إنسانية وثلاثي المسارات (عسكري وسياسي وإنساني) بهدف فتح ممرات للمساعدات والتمهيد لمرحلة انتقالية، وقد تولى إيصال هذا المقترح مستشار أميركي بارز للملف الإفريقي، الذي أعلن أن أطراف الصراع أبدت موافقة مبدئية على هدنة إنسانية.

الورقة الثانية ظلت أكثر ضبابية: البرهان تحدث في مناسبة عن “ورقتين” لكنه عاد وصحّح لاحقاً إلى “ورقة واحدة” بعد لقاء مع مبعوث نرويجي، ما أثار اتهامات متبادلة بين مفاهيم التضليل والمراوغة داخل أروقة السلطة، ومخاوف من أن تكون هناك أوراق منفصلة أو مبادرات موازية تُقدّم من جهات مختلفة أو قنوات موازية داخل الإدارة الأميركية نفسها. تقارير صحفية ذكرت أن اجتماعات سرية ومقترحات متعددة أجريت في عواصم أو عبر وسطاء، ما خلق حالة من الغموض والارتباك في الخرطوم حول مصدر ومحتوى بعض المقترحات.

حقل بليلة

هذا التناقض في قراءة الأوراق ومصادرها لا يقتصر على لعبة سياسية داخلية؛ بل له أثر ميداني مباشر. استراتيجية حماية المنشآت النفطية تستلزم توافقاً داخلياً وأمنياً حول خطوط حراسة واضحة، وإلا تصبح أي هدنة محكومة بمدى قدرة الطرف المُسيطر ميدانياً على احترام بنود التهدئة. في غياب توافق حقيقي ووضوح في البوابة السياسية، فإن أي ورقة تبقى ناقصة الفاعلية لأن الحماية الفعلية للحقول تعتمد على من يملك الأرض وعلى اتفاقيات ملزمة لوجود قوات حامية أو مراقبين دوليين يمكن الوثوق بهم.

تحليلياً، يمكن قراءة المسألة عبر ثلاثة مسارات مترابطة: الأول تقني-أمني يركز على حماية البنية التحتية وإعادة تأهيل الحقول والمخازن وخطوط الأنابيب وتأمينها بآليات مراقبة وممرات آمنة لفرق الصيانة، والثاني سياسي يتطلب حواراً داخلياً يثبت التزامات عسكرية قابلة للقياس (وقف إطلاق نار مؤقت ومراقبة دولية)، والثالث اقتصادي يطلب حزمة إنعاش مرحلة انتقالية لإعادة جذب مشغّلين ومورّدين وإصلاح سلاسل التوريد. أي غياب في أحد هذه المسارات يعكّر قدرة بقية المسارات على النجاح.

التداخل بين قضية النفط ومسارات التهدئة الدولية يجعل من حماية الحقول ورقة تفاوضية مركزية: من يسيطر على مصادر الدخل سترغب في رفع سقف شروطها، ومن يتعرض للحرمان سيصبح ملزماً بالمبادرات الدولية أو ضارباً بعرض الحائط بكل مقترح. لذلك، لا يمكن فصل مصير هجليج وبليلة عن مصير أي محاولة سياسية لوقف النار أو عن النزاع حول «الورقتين» ومرجعيتها.

حقل هجليج

توصيات عملية قصيرة ومتوسطة الأمد: أولا، ضرورة إعلان حماية مؤقتة للمنشآت النفطية باتفاقٍ يضم القوات المتنازعة وراعٍ دولي محايد، مع نشر فرق فنية مشتركة (محلية ودولية) لصيانة الطوارئ. ثانياً، فتح قنوات ميدانية ثابتة مع دول الجوار وشركات التشغيل لإبقاء سلاسل التوريد حية وإيصال قطع الغيار والوقود، ثالثاً، ربط أي هدنة أو ورقة سياسية بضمانات مالية لرواتب الكوادر وحزم تأمين تعيد ثقة العاملين بالحقول، ورابعاً، ضرورة توحيد الموقف الرسمي لدى الخرطوم بخصوص الأوراق والمقترحات لتجنّب ارتباك رسائلها أمام الشركاء الدوليين.

خلاصة: قطاع النفط في غرب كردفان لم يعد قضية فنية محصورة في خزائن الإنتاج؛ إنه أحد محاور الصراع نفسه، وورقة ضغط في لعبة السلطة. بدون انسداد ثنائي: وضوح سياسي داخلي يسبق أي ورقة، وحماية أمنية فعلية ترافقها إجراءات فنية عاجلة، سيظل النفط مورداً يغذي النزاع بدل أن يكون محركاً للتعافي. والمشهد الحالي يفرض على صانعي القرار أن يختاروا بين تحويل الحقول إلى رافعة استقرار أو إلى ساحات نزاع اقتصادية لا تنتهي.

Exit mobile version