بابنوسه تُعيد رسم خط النار في كردفان وتفتح الباب لإعادة تشكيل ميزان القوى في السودان

تقرير - رشا رمزي

بعد أكثر من عامين من القتال المتواصل، بدا المشهد العسكري في غرب كردفان وكأنه ينقلب على رأسه حين أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها الكاملة على الفرقة 22 مشاة في مدينة بابنوسة، آخر معاقل الجيش السوداني في المنطقة. هذا التطور لم يُنظر إليه داخل الأوساط العسكرية كحدث عابر، بل كتحول استراتيجي يعيد ترتيب خريطة السيطرة في الإقليم، ويمنح الدعم السريع موطئ قدم يمكّنه من توسيع دائرة نفوذه شمالاً وجنوباً.

ومع مرور يومين على سقوط المدينة، لزم الجيش الصمت، بينما اكتفت منصات قريبة منه بالحديث عن انسحاب قواته نحو هجليج النفطية. هذا الغياب الرسمي عن التعليق زاد حالة الضبابية حول حجم الخسائر وطبيعة المعركة، في وقت تتعرض فيه المدن الكبرى في ولايات كردفان الثلاث لضغط متصاعد من قوات الدعم السريع التي تمكنت في الفترة الأخيرة من تقليص مساحة سيطرة الجيش إلى الأبيض وأم روابة في الشمال، وكادقلي والدلنج في الجنوب، بينما تتقاسم الحركة الشعبية جناح الحلو السيطرة على أجزاء حيوية مثل كاودا في جبال النوبة.

ومن هنا تتضح أهمية مدينة بابنوسة، فهي تقع على حدود شرق دارفور وعلى مسافة 600 كيلومتراً من الخرطوم، وتشكل عقدة أساسية في خطوط السكك الحديدية التي تربط غرب السودان بشرقه وشماله، كما أن ثرواتها الحيوانية والنفطية جعلتها مركزاً اقتصادياً حساساً.

ولهذا يرى قادة عسكريون أن سقوطها يفتح الباب أمام عمليات ضغط جديدة على كادقلي والدلنج، ويزيد احتمالات اقتراب الدعم السريع من الأبيض، الهدف الأكثر رمزية في شمال كردفان.

مدينة بابا نوسة

وفي مقابل هذه التحولات، جاءت الهدنة الأحادية التي أعلنتها قوات الدعم السريع لتضيف بعداً جديداً للمشهد. فبينما رُوّج لها كخطوة إنسانية، استمرت القوات في تنفيذ عمليات هجومية حتى إسقاط الفرقة 22، ما يشير إلى أن بنك أهدافها لم يكتمل، وأن بابنوسة باتت بالنسبة لها منصة جديدة لإطلاق المزيد من العمليات. ويرجح خبراء أن هذه المرحلة قد تشمل محاولة دعم الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو للسيطرة على كادقلي، خصوصاً بعد أن سجّل الجيش تقدماً محدوداً في بعض مناطق جنوب كردفان.

وهنا يبرز تصريح الفريق محمد بشير سليمان، نائب رئيس هيئة الأركان والمتحدث السابق باسم الجيش، الذي رأى في سقوط بابنوسة خطوة متوقعة لكنها خطيرة. فهو يؤكد أن المدينة تمنح الدعم السريع مساحة واسعة للمناورة العسكرية، كما توفر له حواضن اجتماعية في منطقة غنية بالنفط، ما يمنحه بعداً سياسياً يسعى من خلاله لتأسيس سلطة موازية وتوسيع نفوذه نحو دارفور وتأمين خطوط الإمداد بالمقاتلين والسلاح. ومن هذه النقطة يخلص سليمان إلى أن الجيش بات مطالباً بإعادة ترتيب أولوياته في شمال وغرب كردفان، عبر تعزيز قواته وتوفير إمدادات لوجستية ضخمة تُمكّنه من استعادة زمام المبادرة، خصوصاً أن هدفه الأكبر يبقى استرداد السيطرة على دارفور.

وعلى المستوى السياسي، يعتقد سليمان أن التقدم الميداني للدعم السريع لا يقتصر على مكاسب عسكرية، بل يأتي استعداداً لجولة تفاوضية محتملة، مع استمرار الحديث عن جهود الرباعية الدولية – الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر – لبحث هدنة إنسانية تمتد لثلاثة أشهر. السيطرة على الأرض تمنح الدعم السريع أوراق ضغط إضافية، ما يجعل بابنوسة خطوة ضمن محاولة أوسع لإعادة صياغة شروط التفاوض.

مدينة بابا نوسة

وبينما انشغل الإقليم بحدث بابنوسة، جاءت أنباء الهجوم بطائرات مسيّرة على قاعدة كنانة الجوية في ولاية النيل الأبيض لتضيف طبقة جديدة من التعقيد. فقد شاهد سكان محلية تندلتي ثلاث طائرات مسيّرة تتجه نحو القاعدة قبل أن تعترض الدفاعات الجوية بعضها وتمنع وقوع خسائر كبيرة. هذا النوع من الهجمات يعكس انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر تطوراً من حيث استخدام التكنولوجيا، ويوحي بأن طرفاً ما يحاول استنزاف الجيش في نقاط بعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية.

وبعيداً عن الجغرافيا السودانية، ظهر تطور سياسي في واشنطن قد تكون له تداعيات غير مباشرة على السودان. فالإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترامب دفعت بقرار تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية أجنبية إلى مرحلة متقدمة، بعد أن صوّتت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب على مشروع قانون يُلزم الرئيس بالمضي في عملية الإدراج. هذه الخطوة تأتي في ظل دعم بارز من شخصيات مؤثرة في الكونغرس مثل السيناتور تيد كروز وريتشارد بلومنثال، بينما يربط خبراء مثل لورنزو فيدينو هذا التحرك بقلق أميركي متزايد من الشبكات العابرة للحدود المرتبطة بالإخوان، التي نسجت علاقات مع قوى سياسية متعددة داخل الولايات المتحدة وخارجها. وتشير التسريبات إلى أن السودان قد يكون ضمن الدول المتأثرة بالقرار، في ظل سيولة المشهد السياسي وتشابك الولاءات داخل بعض الجماعات المسلحة.

وفي المحصلة، يجد السودان نفسه أمام معادلة معقدة تجمع حرباً تتسع في كردفان، وهجمات بطائرات مسيّرة في النيل الأبيض، وخيارات سياسية تعاد صياغتها على طاولة القوى الدولية. أما بابنوسة نفسها فقد أصبحت رمزاً لمرحلة تتجاوز سقوط مدينة لتصل إلى إعادة رسم خريطة صراع مفتوح على احتمالات أكبر، وتمتد تأثيراته من جبال النوبة إلى واشنطن، ومن خطوط السكك الحديدية القديمة إلى حسابات الرباعية الدولية.

Exit mobile version