كارلوس ليسكانو .. صرخة الزنزانة، جناح الكلمات، ونور الروح المتمردة

عبد الجليل سليمان

في 1949، وُلِد كارلوس ليسكانو في مونتفيديو، عاصمة أوروغواي، المدينة المطلة على شواطئ الأطلنطي حيث تتشابك الأزقة الهادئة مع مقاهي مكتظة بالحكايات، وتختلط رائحة البحر بأصداء الماضي. من هنا انطلقت خطواته الأولى بين دفء طفولة هادئة وأحلام ثورية، ليصبح لاحقًا شاهدًا على الإنسان الذي يُصرّ أن يكتب روحه من جديد، مهما كثرت الظلمات حوله.

وميض الظلال

في زنزانات الحكم العسكري (1972–1985)، حيث يُسجَن المناضلون تحت أقسى أنواع التعذيب والحرمان، وجد ليسكانو نفسه محاصرًا بين جدران قاتمة وصمت ثقيل. انتماؤه إلى حركة Tupamaros (توباماروس) اليسارية، التي نادت بالعدالة الاجتماعية والتحرر من القمع، أصبح سببًا لسجنه 13 عامًا.

الزنزانة لم تكن مجرد مكان، بل عالم قائم بذاته: الليل بلا نهاية، الصمت كخنجر في الروح، والوقت ثقيل كالصخور.

هناك، وسط العتمة، التقط القلم وبدأ كتابة ما أصبح لاحقًا رواية «عربة المجانين». لم يكن ليكتب مجرد سرد للأحداث، بل شهادة حية، صرخة صامتة ضد النسيان، صرخة جسد وروح في مواجهة الظلم.

الجسد المرآة

في الرواية، الجسد ليس مجرد وعاء للألم، بل مرآة للكرامة والهوية. كل وصف للجلد والسياط، لكل رعشة أو صمت أو خفقة قلب، يكشف عن عمق العلاقة بين الألم والوعي، بين الجسد والذات. الجسد عند ليسكانو شخصية إضافية تحكي صمته، ترتجف، لكنها لا تنكسر. الكتابة هنا مقاومة حيّة، طريق لاسترجاع الذات وسط الخراب، وكأن كل كلمة تنبت من الرماد لتضيء ظلمة الزنزانة.

الكتابة تشرق

حين انتهى الحكم العسكري عام 1985 — بعد أن حكم أوروغواي رؤساء عسكريون، من بينهم خوان ماريا بوردابيري وغريغوريو ألفاريز — خرج ليسكانو من السجن. خرج محملاً بذاكرة الألم، صوته الحرّ الذي لم يخضع لأي سلطة، وروحه المتمردة على الظلم. هاجر إلى السويد، وعاش منفياً، لكنه لم يتخلّ عن القلم. الكتابة بالنسبة له كانت حياة ثانية، وسلاحًا ضد النسيان، وحبل نجاة للروح.

ذاكرة لا تموت

«عربة المجانين» ليست مجرد رواية؛ إنها مرثية للحياة التي كادت تُمحى. الأصوات تتداخل: صدى القضبان وصمت الزنزانة، أنين الجسد وخفقان الروح. القارئ يمر بلحظات الرعب والوعي، بين صرخة مكتومة ولحظة صمت، ليكتشف أن الحرية ليست فقط خروجًا من السجن، بل القدرة على إعادة صياغة الذات، استعادة الكرامة، وتحويل الألم إلى نور.

همس الجدران

تخيل الزنزانة:

أربعة أمتار في ثلاثة، جدرانها رمادية كسواد الليل، نافذة صغيرة تكاد لا تسمح بدخول الضوء.

ليسكانو جالس على الأرض الباردة، يحدق في خطوط الشقوق على الحائط، كل واحدة منها تحكي قصة سجين آخر، حلم ضاع، صمت مكتوم. يسمع خطوات الحراس تتردد في الممر، يرن صدى صرخات مكتومة من زنزانات مجاورة، يختلط صوته الداخلي مع صمت المكان، وكأن الزنزانة كلها قلبٌ يخفق بألم جماعي.

يمسك القلم، ويرسم بحروفه نفق الحرية، كل كلمة تنبثق من قلبه كوميض صغير في الظلمة، لكنه كافٍ ليزرع الأمل في أعماق الروح. كل حركة يد، كل كلمة يكتبها، تصبح جناحًا يرفرف فوق الجدران، يخفف ثقل القيود، يجعل الروح تطير ولو لحظة واحدة.

في تلك اللحظة، يشعر أنه ليس مسجونًا جسديًا فحسب، بل مسجون بين الماضي والحاضر، بين الألم والرغبة، بين الزنزانة والعالم الذي ينتظره خارجها.

العودة لكتاب مفتوح

بعد عودته إلى أوروغواي، عمل ليسكانو في الثقافة والكتابة والترجمة، وأصبح أحد أعمدة الأدب اللاتيني الحديث. كل أعماله، من الرواية إلى المسرح والشعر، تنبض بتجربة السجن، بالذاكرة، وبوعي الإنسان أمام آلة القمع.

“عربة المجانين” إذًا ليست كتابًا يُغلق، بل مرآة حيّة، تعلمنا أن الكلمات تستطيع أن تضيء العالم، وأن الإنسان يمكنه أن يكتب نفسه من جديد مهما كانت الظلمات المحيطة.

علىّ هنا أن أشكر الصديق الندّي كقطرات مطر القضارف؛محمد جبريل، الذي عرفني على ليسكانو قبل خمس سنوات ووفر لي “عربة المجانين” مرة أخرى قبل أسابيع قليلة، ما منحني قدرة إضافية على مقاومة شتاء كالغاري القارس.

Exit mobile version