الحرب وكارثة الأوضاع الإنسانية في ولاية كردفان الكبري.

نوح ادم هدو

تُعدّ ولاية كردفان الكبرى، المكوّنة من ولايات شمال وجنوب وغرب كردفان، واحدة من أكثر الأقاليم تنوعاً سكانياً وإنتاجاً في السودان. وتمتاز المنطقة باعتمادها الواسع على الزراعة والرعي والمنتجات الغابية، حيث تشكل هذه الأنشطة عماد الاقتصاد المحلي ومصدراً مهماً للصادرات التي ترفد الدولة بالنقد الأجنبي. كما تلعب المنطقة دوراً محورياً في تجارة الحدود مع دولة جنوب السودان، مما جعلها شريكاً أساسياً في الناتج القومي السوداني.

ورغم هذه الأهمية الاقتصادية، شهد الإقليم خلال السنوات الأخيرة تراجعاً كبيراً بسبب التدهور الاقتصادي العام الذي ضرب السودان، إلى جانب النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار الأمني، وذلك بالرغم من وجود احتياطيات بترولية في أجزاء واسعة من المنطقة. ويُقدّر عدد سكان كردفان الكبرى بنحو 5.7 ملايين نسمة وفق إحصاءات عام 2020، ما يعزز من ثقلها الاقتصادي والاجتماعي داخل البلاد.

ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، والتي قاربت الثلاث سنوات من القتال المستمر، أصبحت كردفان الكبرى إحدى ساحات الصراع الأساسية. فقد أدت المعارك المتصاعدة إلى نزوح وهجرة أعداد كبيرة من السكان، حيث سجلت ولاية غرب كردفان وحدها نزوح نحو 47 الف شخص خلال الأشهر الأخيرة، كما ذكرت وزارة الصحة وجود حوالي 40 ألف أسرة في المعسكرات داخل مدينة الأبيض. بينما تشير تقديرات منظمات دولية إلى أن مئات الآلاف نزحوا من ولايات شمال وجنوب وغرب كردفان مجتمعة بسبب العنف المتزايد. وأسهم هذا النزوح الواسع في تعطيل شبه كامل للإنتاج الزراعي والحيواني، إذ اضطر السكان إلى ترك مزارعهم ومراعيهم هرباً من القتال، ما أدى إلى فقدان مصادر رزقهم الرئيسية وانهيار الدورة الاقتصادية في الريف والحضر.

وتفاقمت المعاناة الإنسانية بسبب عمليات النهب والسرقة والتخريب التي طالت الممتلكات والمزارع والقطعان الحيوانية، وهو ما عمّق أزمة الغذاء في الإقليم. فقد تزايدت حالات نقص الغذاء والمواد الأساسية، وارتفعت الأسعار بشكل يفوق قدرة المواطنين على التحمل، كما انتشرت أمراض سوء التغذية، خاصة بين الأطفال. وأدى تدمير المرافق الحيوية من مستشفيات ومدارس ومراكز خدمية إلى تدهور حاد في الأوضاع الصحية والتعليمية، وسط شح حاد في مياه الشرب والدواء والخدمات الأساسية.

وبهذا تحوّلت كردفان الكبرى، التي كانت ذات يوم أحد أهم مراكز الإنتاج الزراعي والرعوي في السودان، إلى منطقة تعاني من نزوح واسع وانهيار اقتصادي وأزمة إنسانية خانقة. ومع استمرار الحرب وتوسع دائرة العنف، تتفاقم معاناة السكان يوماً بعد يوم، وتتحول أزمة الإقليم إلى جزء مركزي من المأساة السودانية الشاملة التي تهدد حياة واستقرار الملايين.

ختاما:

.ختاماً، ومع استمرار تعنّت أطراف النزاع ومؤيديهم، ورفضهم الاستجابة لنداءات السودانيين الذين أنهكتهم نيران الحرب وتبعاتها، إضافة إلى تجاهل الدعوات المتكررة من المجتمع الدولي والأمم المتحدة لوقف القتال والبحث عن مسارات حقيقية للسلام وإنقاذ ما تبقّى من مقدرات البلاد، فإن الأوضاع الإنسانية مرشحة لمزيد من التدهور. وسيؤدي ذلك إلى اتساع دائرة المعاناة بين المدنيين في مناطق الصراع، ما لم يعد الجميع إلى صوت الحكمة ويقدّموا مصلحة السودان وشعبه على حسابات الحرب، حرصاً على إنقاذ الوطن من الكارثة التي تطال كل جوانبه.

Exit mobile version