بين هجليج 2012 وهجليج 2025 .. المناظر هي ذاتها والصور نفس المشاهد
خالد عمر يوسف
كتبت هذا المقال المرفق أدناه بتاريخ 28 أبريل 2012 .. اي قبل 13 عاماً حين اندلع القتال في منطقة هجليج بعد اجتياحها بواسطة قوات من جنوب السودان. أرسل المقال لي صديق قبل قليل، وحين قرأته تملكني العجب من تكرار بلادنا لمسلسلات عاشتها من قبل بذات الشخوص والدوافع والنتائج .. فلا حول ولا قوة إلا بالله من تكرار لا ينفع، ودروس لا نستخلص منها البديهيات.
أدناه نص المقال
هجليج – الحرب الكذوب
في بلادنا التي تختطف فيها غربان الخراب محيانا ومماتنا لتملأ الأرض نعيقاً يصم الآذان, ينزوي صوت العقل مسكيناً حسيراً متخذاً ركناً قصياً, فهو غريب عن هذا السيرك الذي ينتظم المكان والزمان …. اسئلته ليست للاجابة فمن يا ترى يأبه بالأسئلة والأجوبة ومطاولات منطقها هنا, ف(الإفتكار والإعتقاد) مسبة و(حركات مثقفين) و(فلسفة فارغة), يا لبؤسنا وشقائنا اذ نحتقر ما يميزنا عن الأنعام ونحط من قدره ونفتخر بما يساوينا وانسان العصور الأولى كأن التطور البشري وسننه قد جافى بلادنا هذه دونآ عن خلق الله أجمعين.
صناعة الرأي العام في الخرطوم سهلة وميسورة, فما عليك إلا أن تستيقظ باكرآ وتطلق (أي كلام و السلام) ليصحوا ببغاوات تعتطلت أدمغتهم عن التفكير فيجدوا كلامك هذا منثوراً في الهواء مقطوع الأصل و الفصل, فلا يستنكفون ترديده متكئين إلى الوراء و(متوهطين) كمن أمسك (بالديب من ديلو) كما يقول ظرفاء مصر. آخر هذه الألاعيب والأكاذيب أكذوبة احتلال هجليج, فالخرطوم تظن و لا تجد إثماً في ظنها هذا بأن هؤلاء (العبيد المجانين) استيقظوا صباحآ ثم قالو حي على هجليج فامسوا فيها (كده بس حقارة و قوة عين), و قد يكون هذا صحيحاً إن كنا نشاهد أحد افلام الهند التي تنتجها بوليوود فلا يجد مخرجوها ومنتجوها زمناً للمبررات والسياقات فتبدوا الأحداث أحداثاً معلقة في السماء لا جذر لها ولا رابط ولكن ان كنا نتحدث عن سودان الإنقاذ هذا, فلهجليج قصة لم تبتدأ صبيحة العاشر من ابريل من العام 2012 بأي حال من الأحوال.
يعود تاريخ قصتنا التي نود سردها إلى التاسع من يناير من العام الماضي, في هذا التاريخ صوت أهل جنوب السودان في استفتاء تقرير المصير شاهرين صوتهم رفضاً لوحدة تجمعهم بجيرانهم الشماليين في دولة واحدة. جاء وقع الصدمة شديداً على دوائر عدة ومنها أهل المؤتمر الوطني الذين انتبهوا فجأة (بنباهتهم المعهودة) إلى فقدان حبل حياتهم السري النفط والذي لم يرجو منه فطاماً, فمن ابتنى لنفسه قصراً مشيداً لا زال يأمل في بنيان متطاول يناطح عمارات الخرطوم, ومن أكمل نصف دينه لا زال يرغب في المثنى والثلاث والرباع, ومن ابتاع أسهماً في شركات دبي أو أسواقها المالية لا زال يحلم في اللحاق بأخوته مضارباً في أسواق ماليزيا ومشارق آسيا وهكذا هي نفس الإنقاذيين الأمارة بالسوء لا تزال تأمر الناس باجتناب مباهج الحياة وبهرجها لا لشيء سوى رغبات الاستئثار بما تيسر وما تعسر من بهرج لا يرغبون في اقتسامه أو تشاركه مع أحد كائناً من كان. ثم ان زلزلة التاسع من يناير لم تضرب أموال القوم وتجارتهم فحسب بل انها قد تجاوزتها لتضرب آخر معاقل مشروعيتهم التي اضاعو عقدين من اعمارهم واعمار البلاد يبحثون عنها ك(سيد الرايحة) الذي لم يذر (خشم بقرة) لم يبحث فيه عن هذه الشرعية الضائعة. ففي صبيحة الثلاثين من يونيو 1989 أطل العميد عمر البشير عبر تلفزيون أمدرمان ليحدث الناس عن شرعية الثورة وحسم فوضى الأحزاب ومن ثم ما ان خرج حبيس كوبر ليتسلم زمام الأمر من رئيس القصر الا واستبدل شرعية الثورة بمشروعية المشروع الحضاري وتطبيق شرع الله وبعث روح الإسلام, ولما لم يجد القوم بينهم عمراً او أباذراً استبدلوها بمشروعية النفط والطرق والكباري ليأتي فصل الختام بتوقيع نيفاشا لينصب القوم أنفسهم أبطالاً للسلام والوحدة الوطنية. جاء ختام آخر فصول هذه المسرحية تراجيدياً بهروب أبناء جنوب السودان من جحيم الانقاذيين مصوتين بما يشبه الاجماع رفضاً لوحدة سامتهم سوء العذاب دهراً من الزمان.
ما أن نثر اقتصاديوا الانقاذ اوراقهم في العاشر من يناير ليتباحثو عن البدائل والحلول وجدوا انفسهم (مولاي كما خلقتني) بدون موارد تستبدل فجوة النفط ولا اصدقاء يقرضون أو يعينون, وما هي إلا بضع ايام ويبدأ سيناريو الانهيار الاقتصادي الشامل, فالعملة ستتدهور قيمتها و
الصادرات ستنخفض بشكل يعسر الحصول على نقد أجنبي واسعار السلع سترتفع بصورة متسارعة ومتصاعدة وستتناقص وتختفي بعض الاحتياجات الضرورية ولو بعد حين مما سيخلق حالة من السخط الشعبي طال الزمن ام قصر ثم ان الارض ابت الا ان تميد من تحت اقدام الانقاذيين مهددة سلطانهم, فهاهم اصدقائهم و
أشباههم من شموليي دول الجوار يتساقطون واحداً تلو الآخر من تونس إلى مصر مروراً بمعمر ليبيا عبر هبات شعبية صارت تشكل إلهاماً لمقهوري العالم أجمعين ناهيك عن السودان الذي تتوفر له من الأسباب ما تتضائل أمامه مسببات شعوب الربيع العربي.
هنا استنفذ عسكر الانقاذ واسلامييها ومن تبعهم رغبة او رهبة جميع كروت بقائهم ولم يعد من مناص سوى ان يلعبوا لعبة الموت وهي ان يحيلوا البلاد إلى دار حرب يستنفر فيها الناس على أساس عرقهم ويستثارون فيه باحط مشاعرهم البشرية وتتلبس البلاد حالة من الرهاب من عدو (أسود) متوهم سيقتحم الخرطوم ويبيد عربانها ثم ينفي من تبقى منهم إلى صحاري الجزيرة العربية ليتيهوا فيها إلى أبد الآبدين و من ثم لا يجد مواطن الشمال مناصاً من تأييد حكومة الأنقاذ التي قد تعجز عن توفير القوت والدواء ولكنها ستحمي مصالح الناس وامنهم من هذا العدو الذي يقف على الأبواب. كان هذا هو خيار الانقاذيين وكيف لا يتخيروه وهم يدرون بأن فقدان هذا الأمر سيكلفهم ارواحهم واموالهم خصوصآ رئيسهم الذي تقوده اقداره بعيداً عن القصر الجمهوري إلى طريقين لا ثالث لهما إما القبر أو لاهاي والرجل راغب عن كليهما كما يبدو لذا فقد اختار ان يبقى في هذا القصر وان ذهب الوطن وناسه ودوابه وزرعه .. لا شيء يهم يذهب الوطن ويبقى الرئيس و هنا ابتدأت سلسلة احداث هي من قادت إلى حرب هجليج سنتتبعها سويآ فيما يلي علنا نبصر هذا الطريق الذي نقاد فيه إلى الذبح كالأنعام فلا نحرك ساكناً بل نكتفي بالخوار فلا يستبين احد فيما يفرح الجزل ومما يصرخ المستغيث.
دشنت حملة الدفتردار الانقاذي الجديدة قبل تصويت مواطني جنوب السودان على تقرير مصيرهم حيث اعتلى رئيس الانقاذيين منصة منبر جماهيري في القضارف اقيم إحتفالاً باعياد الحصاد في ديسمبر من العام 2010 ليغلظ التهديد والوعيد لمن تبقى من أقوام السودان بعد أن صارت كل المؤشرات تدل على ان الانفصال واقع لا محالة … قال البشير يومها انه ستتم مراجعة الدستور بعد الانفصال وتنقيته من أية نصوص غير إسلامية و«الكلام المدغمس زي: السودان بلد متعدِّد الأديان والأعراق واللغات» وليعلن «أن الإسلام سيكون هو مصدر التشريع الوحيد والعربية هي لغته الوحيدة». جاءت هذه الخطبة كإعلان حرب على كافة اثنيات السودان ممن يدغمسون خارج حلبة النقاء العرقي والديني الذي يرغب فيه البشير وقد كان, فلم يلبث الانفصال ان يتحول إلى امر واقع حتى بدأت طبول الحرب تدق في الخرطوم فبعد 4 اشهر فقط من الانفصال اعلنت الخرطوم في مايو من العام 2011 اغلاق كافة الحدود مع جنوب السودان وايقاف الشحن الجوي والنقل النهري تماماً لمنع سريان اي بضائع من الشمال الى الجنوب فالقوم لا يفكرون في تعويض فاقد الصادر وفجوة العملة الاجنبية بل ان اولى اولوياتهم هي خنق الجار الجنوبي وتركيعه حتى يسهل استتباعه. لم ينقضي شهر مايو من العام 2011 حتى اعلن الجيش السوداني سيطرته على منطقة ابيي (المتنازع عليها) في 21 مايو 2011 ضاربآ عرض الحائط بالتحكيم الدولي و بنهج التفاوض الذي ارتضاه الطرفان حلآ لهذه المعضلة. لم يرد الجنوب عسكرياً على هذا الاعتداء بل اكتفى بالسير في مسار التقاضي الدولي, و قبل ان يغلق الانقاذيون هذا الملف فتحوا جبهتين حربيتين جدد في جنوب كردفان والنيل الأزرق حيث ان رئيسهم ايضاً في عقابيل عودته من رحلة الصين اعتلى منصة منبر مسجد كافوري لينقض اتفاق اديس ابابا الذي وقعه مساعده نافع علي نافع مع الحركة الشعبية – قطاع الشمال, هذا الإتفاق لم يمنح الحركة في الشمال منصباً او صولجاناً , بل فقط سمح لمواطنين سودانيين بان يمارسوا نشاطهم السياسي المدني العادي (زي باقي خلق الله) !!!!!!!! نقض البشير الاتفاق ووصف الحلو بالمتمرد الذي يجب اقتياده للمحاكمة مرسلاً كتائبه لتقتحم كادقلي بغية اغتيال الحلو ومشايعيه ولم يمض شهران على هذا الحدث حتى جاء سبتمبر من العام 2011 ليقصف جيش النظام (منزل) مالك عقار في الدمازين بغية اغتياله ايضاً !!!! هذين الهجومين الأخرقين فتحا (صندوق باندورا) في الاقليمين واشعلا حرباً لا تبقي ولا تذر لا تزال تدور رحاها إلى ساعتنا هذه محيلة هذا الجزء من ارض السودان إلى خراب شامل يدور خارج فلك الدولة تماماً اذ اختفى سلطانها هنالك وانحسر إلى جيوب حضرية صغيرة هنا وهناك. حرب البشير هذه اهلكت الحرث والنسل ودفعت ما يقارب النصف مليون مواطن سوداني إلى نير النزوح جنوبآ لتستضيفهم معسكرات الجمام و ييدا و كجاو والتي سنقص قصصها في الفقرة القادمة من هذا المقال.
في الحادي عشر من نوفمبر من العام 2011 قدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً عن الاوضاع في دولتي السودان شمالها وجنوبها, قدم التقرير رصداً لحوادث الاعتداء والقصف الجوي الذي يقوم به طيران الجيش السوداني داخل حدود الجنوب متتبعاً نازحي النيل الازرق وجنوب كردفان داخل معسكرات نزوحهم ضارباً عرض الحائط أولاً بعذابات هؤلاء المدنيين العزل اللذين فروا من اتون الحرب تاركين قراهم وبيوتهم و ثانياً بحقيقة ان هذه الارض هي ارض اجنبية تقع داخل حدود دولة جنوب السودان. يصف التقرير المرفق رابطه ادناه في صفحته الثالثة ورود بعض التقارير التي تشير الى قصف تعرضت له منطقة الكويك في أعالي النيل ثم يستطرد ذاكراً ورود شكوى من حكومة الجنوب لبعثة الامم المتحدة بجنوب السودان ضد قصف جوي القيت فيه 9 قنابل من قبل الجيش السوداني على مناطق متفرقة في مقاطعة المابان بولاية اعالي النيل بالقرب من الحدود المحاذية لولاية النيل الأزرق حيث يتجمع هنالك ما يقارب ال 55000 لاجيء سوداني فر هربآ من جحيم حرب البشير على مواطني النيل الازرق. يواصل البيان ذاكراً ورود تقرير من بعثة الامم المتحدة بجنوب السودان عن هجوم آخر من قبل الطيران السوداني في العاشر من نوفمبر 2011 على معسكر ييدا للاجئين والذي يقع داخل حدود ولاية الوحدة الجنوبية بمحاذاة ولاية جنوب كردفان الشمالية, حيث يأوي 10000 لاجيء فروا من جبال النوبة ليحتموا بدولة الجنوب. ويستطرد ذاكرآ تلقيهم لشكوى اخيرة في ذات يوم الاجتماع لهجمات جوية استهدفت منطقة الكويك في اعالي النيل بالقرب من حقول البترول مخلفة ما يربو على العشرين مصابآ.
هذه الحرب لم تتخذ شكلآ عسكريآ فقط كما اسلفنا في سردنا اعلاه بل ترافقت بحرب اقتصادية اخرى ضيقت فيها الخرطوم الخناق على جوبا في موردها الرئيسي وهو النفط. و للنفط قصة يتطاول سردها و لكن دعنا نمر في عجالة على هذا الملف. اتفق الطرفان عقب الانفصال مباشرة على ان يجلسا على مائدة التفاوض ليتباحثوا حول ما علق من قضايا تخص ملف النفط ومن بينها قضية رسوم العبور , و لعلم الطرفين بأن هذا التباحث قد يستغرق حيناً من الوقت فقد اتفقا وفقاً لنصح بعض الخبراء بأن تكون رسوم نقل البترول و معالجته المطلوبة من قبل دولة الجنوب 5.5 دولار للبرميل بصورة مؤقتة حتى اوان التوصل لاتفاق نهائي, و عليه فقد ارسلت وزارة النفط عبر المؤسسة السودانية خطاباً بهذا الفحوى بتاريخ الثامن من اغسطس 2011 كما تبين الوثائق المرفقة ادناه. عقب هذا الاتفاق تعثرت مفاوضات النفط نظراً لتباعد الشقة بين مطالب الطرفين حيث اصر المؤتمر الوطني على فرض رسوم تتراوح بين ال 32 – 36 دولار في حين عرض الجنوب مبلغاً لا يتجاوز الدولار الواحد للبرميل مستنداً على تجربتي تشاد-الكاميرون وروسيا – اوكرانيا اللتان تستخدمان صيغة مقاربة لهذه الصيغة. تباعد الشقة هذا لم يبعد الطرفين عن موائد التفاوض حتى جاءت الطامة الكبرى في 17 يناير من العام 2012 حين قام المؤتمر الوطني بمصادرة ثلاثة شحنات من البترول الجنوبي بميناء بشائر تقدر قيمتهما ب815 مليون دولار و من ثم قام ببيعها في سوق (الله اكبر) بأسعار أدنى من السعر العالمي لشركات وسماسرة عدة من بينهم شركة ترافيغورا السويسرية والتي قاضتها حكومة الجنوب لاحقأ في المحاكم البريطانية. قبل مصادرة شحنات نفط الجنوب وادعاء الانقاذيين بانهم قد صادروه بغية تحصيل الرسوم المتأخرة على حكومة الجنوب كانت الشركات الثلاثة التي تشكل كونسورتيوم شركة النيل الكبرى (الشركة الصينية والهندية وبتروناس) , قد اصدرت بياناً مشتركاً كما هو مرفق ادناه في الرابط الثالث يفيد بان حكومة الجنوب قد دفعت كافة الرسوم إعتباراً من التاسع من يوليو و حتى تاريخ الخطاب 3 يناير 2012 بيد ان هذا الاعلان لم يردع الانقاذيين عن فعلتهم التي ينتوون بل انهم قاموا لاحقآ باجبار شركة بترودار لاحقآ كما يبين الخطاب الصادر منها في الثالث عشر من فبراير 2012 على تشييد خط انابيب يحول 120 الف برميل من نفط الجنوب الى مصفاة الخرطوم هكذا دون موافقة مالك النفط في الجنوب وبالقوة العارية التي يتمشدق بها انقلابيو الشمال. تطورت الأحداث لاحقاً في الاتجاه الذي تعلمون حيث قامت حكومة الجنوب باغلاق ابار نفطها مفضلة ان تحرم نفسها من عائدات البترول عن ان يفعل به جيرانها في الشمال ما يريدون (بالحق و بالباطل) !!!!!!
تطورات ملف النفط هذه اضفت بعداً تصعيدياً نقل المواجهة إلى مربع اللاعودة وقد ذكر البشير (بعضمة لسانو) في لقاء النيل الأزرق الذي اجراه الطاهر حسن التوم في 3 فبراير 2012 بأن صراع الطرفين ينذر باقترابهما من حافة الانزلاق الى الحرب وقد كان ما اراد الرجل فلم يمضي سوى اسبوعين على حديثه حتى ارسل الرجل جيوشه لتجتاح منطة جاو في جنوب السودان لتدور رحى معارك اعلن بعدها جيش جنوب السودان عن استعادته السيطرة على المنطقة في 26 فبراير 2012, لم تكن هذه المعركة سوى الفصل الأخير الذي قاد لأجتياح الجنوب لمنطقة هجليج اذ تواترت الأنباء طوال شهر مارس عن مواجهات حدودية وقصف متقطع لجيش شمال السودان لمناطق بترولية في الجنوب كان آخرها في 26 مارس 2012 حيث اعلن جيش الجنوب في اعقابها هجومه الأول على هجليج الذي لم يستمر سوى يومين حتى 28 مارس 2012 انسحبوا في اعقابها ليعاودوا الهجوم الأخير في العاشر من ابريل و الذي سيطروا فيه على المنطقة لعشرة ايام حتى 20 ابريل 2012 ليعلن حينها الجيش السوداني سيطرته على المنطقة في حين قال رئيس حكومة الجنوب بانهم قد انسحبوا تهيئة لمناخ صالح للتفاوض بين الطرفين.
رغم ان استعادة الإنقاذيين السيطرة على هجليج تصلح كنهاية سعيدة لقصة حرب خرجو فيها بمكاسب عدداً الا انهم لم يقفوا عند حدود الزهو والخيلاء هذه بل واصلوا هجماتهم الجوية ضاربين في العمق الجنوبي عاصمة ولاية الوحدة بانتيو ومدينة ربكونا مستهدفين أهدافاً مدنية لا علاقة لها بنزاع الجيشين، ليرسلو رسالة واضحة الملامح بان هذه الحرب باقية ما بقوا وليدقوا طبول العنصرية المقيتة لتشكل ايقاع رقصتهم الاخيرة هذه, يتقافزون على انقاض حريق كنيسة الجريف وعلى قماءة كاركاتير الشروق وصيحات جوبا جوة وغيرها من مفردات السقوط في وحل آسن يظنون بأنه سيغرق احلام الطامحين بتغييرهم فقط ولكن عبر التاريخ تقول بغير ظنهم هذا فهذا الوحل سيغرقهم هم أولاً ومن ثم يأتي الطوفان فلا يبقي في هذه البلاد كآئنآ ينبض بالحياة.
أخيراً هجليج ليست اول حروب الأنقاذ ولن تكون آخرها فهم صناع حرب و تجار دماء, بالسلاح ابتدروا حكمهم وباشلاء الضحايا ترقوا في مراقي البلاد والحرب باقية ما بقوا في سدة الحكم. من اراد ان يوقف هذه الحلقة الشريرة فعليه باسبابها لا مظاهرها واسبابها عديدة ولكن ركنها المتين واساسها الذي تستند عليه هو عصابة الخرطوم الحاكمة, ليس من اغراض هذا المقال اعفاء الحركة الشعبية من لائمة تصاعد هذه الحرب ولكن لكل فعل منشأ ومصدر ومهمتنا هنا هي تتبع طريق الدمار الشامل الذي نساق اليه في غفلة من امرنا. كم من دولة كانت تمور اضطراباً خلف الأكمة فأصبحت أثراً بعد عين عقب الأنفجار الكبير, رواندا لم تكن تقبع في كوكب زحل والصومال لم تنتمي إلى مجرة كونية اخرى و سوداننا هذا يسير هذا الدرب حثيثاً لا يبالي بعبر من سبق فهلا ابصرنا قبل ان يصبح الصبح فلا السودان ولا شعبه باق ؟