في رحيل عبد القادر سالم ساقي عطش الرمال

حامد بخيت الشريف 

كأنها سكتة الجراري والدرملي والمردوم والكمبلا حين يباغتها النعاس في هجعة الليل، أو كأنها نخلة من نخلات مروي القديمة آثرت أن تميل في صمت مهيب، لتترك في حلوقنا غصة لا تزيلها محاولاتنا ولا معافرتنا للصبر.

رحل اليوم عبد القادر سالم، وبرحيله انكسرت آخر مرايا اللحن التي كانت تعكس المحنة والعشم بالاخضرار في الفيافي، وجفت آخر الينابيع التي تنهل منها سواقي النغم التي روت وجدان الشعب السوداني من أقصى كردفان الغره إلى سهول البطانة واشجار انزارا ووديان دارفور واحزان حلفا الهجرة.

كان عبد القادر مؤرخ اللحون، وحارس الجمال؛ حمل كردفان في حقيبة صوته، وطاف بها عواصم الدنيا، مبرزاً وجهنا الأنضر، ومعيداً للتراب كرامته الموسيقية.

كان صوته نسمة شمالية في هجير الغربة، وكان دعاشاً ومطرا استوائيا يبلل ريق المدن الإسمنتية الجافة. رحل صاحب “الليمون” و”جيناكي زي وزين”، وترك خلفه فراغاً لا يملؤه إلا الصدى.

علمنا عبد القادر أن التصالح بين “الأكاديمية” بصرامتها، وبين “الفلكلور” بعفويته ممكناً، فكان جسراً ممدوداً يصل خارطة الجمال السوداني من أقصاه إلى أقصاه.

أعزي فيك كل مزارع وتربال مشى خلف الجراية أو المحراث وهو يدندن بألحانك، وكل راعٍ ضاعت أغنامه وهجت إبله بينما هو سارح يمتع أذنيه بوهج صوتك؛ فقد كنت سودانياً بحق، وفناناً بكمال الفن، وإنساناً لم تبدله قسوة الأيام.

يا عبد القادر.. لمن تحكي الرمال بعدك حكايات العشاق؟

يا عبد القادر يا ابن الأرض وحارس وجدانها، من لـ أم روابة والأبيض والودّي وبارا وأم درمان وكسلا ومروي وقيسان وجوبا ليضمد جراحهن بالنغم الحنين؟

سلامٌ عليك يا عبد القادر سالم في الخالدين، وسلامٌ على السودان الذي كنت أنت أحد أجمل ألحانه.

Exit mobile version