ديسمبر 2025 نهاية عام أعاد للثورة والثوار والسلام بريقهم

نوح آدم هدو

عجيبٌ أمرُ الثورة؛ كلما تشاءمنا واستسلمنا إلى الإحباط والأفكار الانهزامية، ظهر بريقها بين الظلام لتقول لنا: أنا على العهد سائرة، وبالوعد موجودة، وعبر أصواتكم أتنسم عبير الحرية والسلام والعدالة. لا ترموا الراية، ولا تتركوني وحدي أُصارع أمواج الظلم والفساد والقتل والانتهاك والقهر.

لأننا نهضنا ضد الظلم سوين، وانتصرنا سوين، وهزمنا الزمن سوين، وسننهض سوين، فهلموا معنا سوين ضد الانهزام.

فثارت الثورة، وثار جنودها وجحافلها في 19 ديسمبر، فأدهشوا العالم وأعادوا للأحرار صوتهم الذي قتلته صوت البندقية ومدافع الظالمين.

فكانت العاصمة الوطنية أم درمان حاضرة بأطفالها وشبابها ونسائها وكهولها، وسط زغاريد كنداكاتها وطبول ثوارها، فصدقت وقالت كلمتها بأن الثورة موجودة، وإن أرهقها النضال والهتاف والمشي.

ثم رفضت بورتسودان أن تترك لأم درمان الشوارع والهتاف، وكانت حاضرة في الزمان والمكان، من قلب عاصمة الحرب والهلاك ودعوات الحرب، فأصابتهم بالذهول والحيرة بين كيف ولماذا؟

فأصابت القضارف الغيرة على أن تترك حبيبته وملهمته الشرق بين هتافات وزغاريد وهيام بورتسودان، فخرجت تهتف: الثورة الثورة، الشعب الشعب، الحرية الحرية، العدالة العدالة، السلام السلام، نحن حراسها.

فثار الشمال ورفض السكون، فكان منيب صوته الذي كسر قيود الخوف وهدوء المكان، وأوصل هدير الشمال إلى آذان الأعداء، فأدخل الخوف إلى قلوبهم وأرّق مضاجعهم، ليقول: لا تحزن أيها الشمال، أنا موجود، وصوتك وصل، ومكانك في قلب الثورة والثوار، يكفي بأن تكون فيك عطبرة أم الصمود.

فلملمت فاشر السلطان أحزانها ودماءها ودموعها، وأبت على نفسها وكبريائها إلا أن تكون حاضرة ومشاركة بأصواتها التي هدّها العويل وأرهقها الجوع والهوان، لتقول: أنتم لستم أكثر حبًا للثورة مني، فأنا صوت دارفور الحزينة وحاملة مشاعل الثورة فيها.

فهيّجت فاشر السلطان مشاعر الحب والهيام للثورة والسلام في قلوب فناني الأمل والحياة وشعرائها، فكانت كرنفالات الغناء من السلام والثورة تضرب ربوع قرننا الإفريقي، فتصدح نانسي، ويشدو أزهري، ويطرب سيد أحمد، ويتهادَى محمد آدم مغنيًا للسلام والثورة. فرقصت كمبالا على ألحان السلام، وتماليت نيروبي بين أصوات الحنين للسلام وطرب بت عجاج، فكانت ليالي إعادة شموخ ثورة أرهقها الحرب والنزوح واللجوء والتعب، ولكنها لم ترمِ الراية، ولم تقل قد تعبت، بل تعافر بين الصعاب والهم لتقول: أنا موجودة وصامدة حتى النهاية.

ختاما:

وهكذا، لم يكن ديسمبر 2025 مجرد نهاية عام، بل كان موعدًا مع استعادة المعنى، ولحظة أعادت للثورة والثوار والسلام بريقهم الذي حاولت الحرب إطفاءه. أثبت هذا الشهر أن الثورة فكرة لا تموت، وأنها مهما أرهقها النزيف والتعب، تعود أكثر وعيًا وصلابة. ففي أصوات الشوارع، وزغاريد النساء، وخطى الشباب، ودموع الصامدين، تجدد العهد بأن طريق الحرية والسلام والعدالة ما زال مفتوحًا، وأن الراية التي لم تسقط بالأمس لن تسقط اليوم ولا غدًا. فديسمبر باقٍ ما بقي الحلم، والثورة ماضية ما دام في هذا الوطن من يؤمن بها ويحرسها.

Exit mobile version