بين مبادرات السلام وتعقيدات الحرب.. هدنة معلّقة وبلاد رهينة الحسابات
تقرير - رشا رمزي
يتحرك المشهد السوداني هذه الأيام على إيقاع مبادرات سياسية وضغوط دولية متزايدة، في مقابل تصعيد عسكري ميداني يكشف عمق المأزق الذي وصلت إليه البلاد بعد مرور أعوام على اندلاع الحرب. وبينما تتكثف الدعوات لوقف القتال وفتح مسار إنساني وسياسي، تبدو الاستجابة مرهونة بتشابكات معقدة، يتداخل فيها العسكري بالقانوني، والداخلي بالإقليمي، في مشهد يضع السودان أمام مفترق طرق حاسم.
في هذا السياق، رحّب الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط بالمبادرة التي طرحها رئيس وزراء حكومة السودان أمام مجلس الأمن، معتبراً إياها خطوة جادة يمكن البناء عليها لوقف الحرب وحقن الدماء. هذا الترحيب لم يأتِ معزولاً، بل ارتبط بتأكيد واضح على دعم الجامعة العربية لأي جهد يقود إلى وقف شامل لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، بالتوازي مع إطلاق حوار سوداني شامل يحافظ على وحدة البلاد وسيادتها ويؤسس لسلام مستدام. كما شددت الجامعة على أن تحركاتها تنسق بشكل وثيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وشركاء دوليين وإقليميين، في محاولة لصياغة مظلة ضغط ودعم متكاملة.
هذا الزخم العربي تلاقى مع موقف أميركي أكثر إلحاحاً، إذ دعت الولايات المتحدة طرفي النزاع إلى القبول الفوري بمقترح هدنة إنسانية، معتبرة أن إنهاء القتال بات أولوية لا تحتمل التأجيل في ظل التدهور الإنساني المتواصل. وخلال جلسة لمجلس الأمن، أوضح نائب المندوب الأميركي جيفري بارتوس أن إدارة الرئيس دونالد ترامب طرحت الهدنة بوصفها المسار الأكثر واقعية في اللحظة الراهنة، داعياً الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى الموافقة عليها دون شروط مسبقة. ولم تقتصر الرسالة الأميركية على الدعوة إلى التهدئة، بل شملت إدانة صريحة لأعمال العنف في دارفور وكردفان، مع التأكيد على أن الانتهاكات التي ارتكبتها الأطراف المتحاربة تستوجب المساءلة.
وتعكس هذه التصريحات اتساقاً مع مواقف سابقة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي رأى في بداية العام الجديد فرصة سياسية وإنسانية لفرض هدنة، مستفيداً من رمزية الأعياد وبدايات الأعوام كنافذة لالتقاط الأنفاس. غير أن روبيو، في الوقت نفسه، لم يُخفِ تعقيدات الملف، خاصة ما يتعلق بتدفق الأسلحة، مشيراً إلى أن أي تقدم حقيقي يظل مشروطاً بدور فاعل للأطراف الخارجية في كبح دعمها العسكري، واستخدام نفوذها لدفع مسار إنهاء الأزمة.
حرب السودان
في المقابل، واجهت مبادرة رئيس الوزراء كامل إدريس ردود فعل رافضة من تحالف “تأسيس” بقيادة قوات الدعم السريع، الذي اعتبرها محاولة للالتفاف على مبادرة الرباعية الدولية. وذهب التحالف إلى اتهام الجيش بعدم الجدية في السعي إلى السلام، معتبراً أن استمرار الحرب يخدم حساباته السياسية والعسكرية. ودعا التحالف المجتمعين الإقليمي والدولي إلى تكثيف الضغوط على ما وصفها بالأطراف المعرقلة، مؤكداً أن مبادرة الرباعية تظل الإطار الأهم للوصول إلى تسوية شاملة.
هذا الرفض جرى تفصيله أكثر في تصريحات المتحدث باسم التحالف علاء الدين نقد، الذي رأى أن المبادرة المطروحة لا تختلف جوهرياً عن خطط سابقة، وأن اشتراط انسحاب قوات الدعم السريع وتجميعها في معسكرات يمثل محاولة للالتفاف على التزامات دولية قائمة. وذهب نقد أبعد من ذلك حين تحدث عن ضغوط دولية يواجهها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، تتعلق بفصل المؤسسة العسكرية عن جماعة الإخوان المسلمين، في ظل اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية وخلافات داخلية مع قوى سياسية حليفة. وفي طرح يعكس طبيعة التعقيد، دعا نقد إلى توفير ضمانات دولية تحمي البرهان إذا وافق على وقف إطلاق النار، مقترحاً في الوقت ذاته إجراءات صارمة ضد المجموعات الجهادية.
على الجانب الآخر، قدّم كامل إدريس أمام مجلس الأمن تصوراً متكاملاً لتسوية النزاع، يبدأ بوقف شامل لإطلاق النار تحت إشراف أممي وإفريقي وعربي، يعقبه انسحاب قوات الدعم السريع من المدن إلى معسكرات متفق عليها، مع نزع سلاحها تحت رقابة دولية وضمانات تحول دون إعادة تدوير السلاح. المبادرة تضمنت أيضاً دمج العناصر المستوفية للشروط في القوات النظامية، بالتوازي مع برامج لإعادة الدمج والتنمية، خاصة في دارفور وكردفان والمناطق الأكثر تضرراً.
غير أن هذا الحراك الدبلوماسي يصطدم على الأرض بتصعيد عسكري مقلق، لا سيما في شمال دارفور، حيث تشير التحركات الميدانية إلى استعدادات لهجمات واسعة في محيط كرنوي والطينة وأجزاء من شمال غرب كتم. فهذه المناطق تمثل آخر معاقل الجيش والقوة المشتركة في شمال غرب الفاشر، في وقت بسطت فيه قوات الدعم السريع نفوذها على معظم إقليم دارفور باستثناء أجزاء من جبل مرة. ومع تزايد الحشود العسكرية، بدأت موجات نزوح جديدة، إذ عبر عدد كبير من السكان إلى تشاد، وسط تحذيرات وتهديدات مباشرة للسكان بعدم إيواء عناصر القوة المشتركة.
حرب السودان
هذا التصعيد الميداني ترافق مع حالة استنفار أهلي وشعبي، ودعوات للتمسك بالأرض والدفاع عنها، ما يعكس هشاشة أي مسار سياسي لا يواكبه وقف فعلي للقتال. وفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال أعمق حول أسباب تعثر المبادرات، وهو سؤال يأخذنا إلى البعد القانوني الذي يراه مراقبون مفتاحاً لفهم استمرار الحرب.
وفق هذا المنظور، فإن تمسك قائد الجيش ومساعديه بالسلطة لا ينفصل عن هواجس قانونية تتعلق بمسؤوليتهم عن جرائم فض اعتصام القيادة العامة وما تلاه من قمع دموي للاحتجاجات. ويرى خبراء قانونيون أن هذه الجرائم موثقة ولا تسقط بالتقادم، وأن غياب عدالة مستقلة يجعل السلطة السياسية مظلة حماية مؤقتة للمتورطين. ومن هنا، يُفسَّر تعطيل المبادرات بوصفه سعياً للحفاظ على نفوذ يمنع الملاحقة.
ويعزز هذا التحليل ما يشير إليه مراقبون من أن انقلاب أكتوبر شكّل، في جوهره، محاولة لإجهاض مسار العدالة الانتقالية، عبر إضعاف القضاء وتفريغ المؤسسات، بما يضمن عدم فتح تحقيقات مستقلة. كما يذهب البعض إلى أن الحرب نفسها أسهمت في طمس الأدلة وتعطيل أي نقاش جاد حول العدالة، في ظل أعداد قتلى تجاوزت مائة وخمسين ألف شخص.
في هذا السياق، يحذر محللون من أن أي حديث عن استقرار أو انتقال سياسي لا يبدأ بفصل السلطة عن الجرائم سيظل بلا جدوى. فالمسؤولية القانونية عن الانتهاكات الكبرى، بما فيها القتل والدهس والتصفيات، تظل قائمة، ولا يمكن القفز عليها بصفقات سياسية أو هدن مؤقتة. ومن ثم، فإن المأزق السوداني لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار، بل بإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والعدالة.
هكذا، يقف السودان اليوم بين مبادرات سلام تبدو على الورق واعدة، وواقع ميداني وقانوني معقد يفرغها من مضمونها. وبين ضغط دولي متصاعد وتصعيد عسكري عنيف، يبقى السؤال معلقاً حول قدرة الأطراف على كسر حلقة الإفلات من العقاب، والانتقال من منطق الحرب كوسيلة حماية، إلى منطق السلام بوصفه مدخلاً للعدالة والاستقرار.