النزوح في كادقلي واتساع رقعة القتال في الغرب.. تحولات ميدانية وضغوط إنسانية ومشاورات سياسية خارجية

تقرير - رشا رمزي

تبدو مدينة كادقلي في ولاية جنوب كردفان اليوم كمن يلتقط أنفاسه وسط عاصفة لا تنتهي. حالة هدوء حذر تخترقها حركة نزوح مستمرة، فيما تتزايد المخاوف من هجوم جديد قد تشنه الحركة الشعبية – شمال على المدينة الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني. تقول مصادر محلية إن الشوارع تتقلص فيها ملامح الحياة يوماً بعد يوم، وأن التهديدات التي تبثها منصات مرتبطة بالحركة ساهمت في دفع أعداد متزايدة من السكان إلى الهروب نحو مناطق يُعتقد أنها أكثر أمناً، رغم تكاليف الرحلة ومخاطر الطريق. تقديرات منظمة الهجرة الدولية ترسم صورة أكثر وضوحاً: خلال أربعة أيام فقط بين 18 و22 ديسمبر نزح ما يقارب 2,200 شخص من كادقلي وقرية دميك، توزعوا على محليات جنوب كردفان وشمالها، وصولاً إلى النيل الأبيض، وسط احتياجات ملحّة للمأوى والغذاء والخدمات الأساسية.

الطرق التي يسلكها الفارون تكشف حجم المعاناة. الرحلة ليست طريقاً واحداً، بل مسارات متعددة ترتفع فيها تكلفة الهروب إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر. فالمغادرة عبر طريق الكرقل ثم قردود الضاكر وصمي قد تتجاوز 260 ألف جنيه، بينما يبدأ مسار آخر بالتكتك إلى سرف الضي وصولاً لإيدا على الحدود الجنوبية بتكلفة تقارب 300 ألف جنيه أو أكثر بحسب عدد الركاب. هناك أيضاً طريق ميري حيث تقطع المسافات سيراً على الأقدام قبل الوصول إلى أبوسنون فإلى البرام. أما أغلاها فيبدأ إلى كاتشا بتكلفة قد تبلغ 850 ألف جنيه للمجموعة الواحدة. وفق المصادر، يحتاج الفرد للوصول إلى إيدا في المتوسط نحو نصف مليون جنيه، وهو مبلغ ثقيل على سكان يعيشون صراعاً طويل الأمد بلا مصدر دخل مستقر.

وبينما تنزف كادقلي بالنزوح، تتغير خريطة السيطرة شمال دارفور بسرعة لافتة. أعلنت قوات الدعم السريع، عبر بيان رسمي، سيطرتها مع تحالف “تأسيس” على منطقتي أبو قمرة وأم برو بعد توغل سابق في كرنوي. هذه المناطق تمثل نقاط تماس شديدة الحساسية على الحدود مع تشاد، وقد أظهرت صور متداولة مقاتلين يحتفلون بالتقدم الجديد. القوات المشتركة والجيش لم يصدرا تعليقاً مباشراً، غير أن ما حدث جاء بعد انسحاب للقوة المشتركة ووسط تحذيرات من مني أركو مناوي، حاكم دارفور، الذي دعا السكان للدفاع عن أنفسهم في منشور أثار انتقادات واسعة اعتبرت أن الدعوة قد تجر المدنيين إلى مواجهة غير متوازنة. سيطرة الدعم السريع تعني توسيع نفوذها على شريط حدودي يمتد من ليبيا إلى أفريقيا الوسطى وجنوب السودان، ما يعيد رسم ميزان القوى في الإقليم، خصوصاً بعد نزوح آلاف المدنيين من الفاشر والمخيمات المحيطة بها.

القتال في جنوب كردفان

تحت السطح العسكري، تبرز تحالفات جديدة تعيد تشكيل المشهد. تحالف “تأسيس”، الذي تشكل في كينيا مطلع العام، يضم الدعم السريع وفصائل من حركات دارفور وتيار عبد العزيز الحلو من الحركة الشعبية، إلى جانب قوى سياسية ومدنية. هذا التكوين يشير إلى انتقال الصراع من مجرد مواجهات ميدانية إلى ترتيبات أوسع تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية. ومع تنامي نفوذ التحالف الجديد، تبدو خريطة دارفور مفتوحة على احتمالات أكثر اضطراباً ما لم تُوقف العمليات أو تُعاد صياغة التوازنات عبر تسوية سياسية.

وفي موازاة الحراك المسلح، خرج إلى السطح حديث سياسي لافت من القاهرة. الفريق أول صلاح قوش، المدير الأسبق لجهاز المخابرات، تحدث خلال لقاء خاص في التجمع الخامس عن مخاطر تواجه الولاية الشمالية من مجموعات وصفها بالمليشيا، مؤكداً أهمية حماية السكان. تصريحات قوش جاءت – وفق رواية أحد الحضور – في إطار نقاش غير معلن الطابع السياسي، إلا أنها حملت رسائل حول ضرورة الحذر ووجود فجوة تاريخية بين الشمال والغرب بدأ تراجعها مؤخراً. قوش أشار إلى أزهري المبارك بوصفه وجهاً يمكنه خدمة الولاية والسودان، في إشارة تعكس سعي بعض الفاعلين إلى تشكيل أدوار جديدة في ظل ضباب المرحلة.

على المستوى الخارجي، بدأ رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان جولة تشمل تركيا وقطر لبحث الوضع في السودان والعلاقات الثنائية. من المنتظر أن يلتقي الرئيس رجب طيب أردوغان في أنقرة لبحث ملفات اقتصادية وإنسانية، ثم ينتقل إلى الدوحة لاجتماع مع الأمير تميم بن حمد. الجولة تجري في توقيت حساس؛ الحرب مستمرة منذ أبريل 2023 والضغوط الدولية تتصاعد للدفع نحو هدنة. في واشنطن، أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو مهلة عشرة أيام للوصول إلى هدنة إنسانية، مشيراً إلى اتصالات مع السعودية والإمارات ومصر بالتنسيق مع بريطانيا. الولايات المتحدة تلمّح إلى نفاد الوقت، بينما تشير مصادر سودانية إلى أن البرهان تلقى دعوة للانضمام إلى خارطة طريق الرباعية وأنه طلب أسبوعاً للتشاور قبل الرد.

خيوط ما يحدث في السودان اليوم متشابكة بين نزوح في كادقلي، تمدد عسكري في دارفور، وحراك دبلوماسي خارجي بحثاً عن مخرج. الصراع يبدو كمن يعيد تشكيل جسد البلاد قطعة بعد أخرى، بينما المدنيون يدفعون الثمن الأكبر. لا تزال الخرائط قابلة للتغيير، ولا تزال الضغوط تترك البلاد معلقة بين حرب طويلة واتفاق محتمل، فيما تتردد الأسئلة المؤجلة: أي طريق يمكن أن يعيد الأمن؟ وأي جهد قادر على رفع هذا العبء الإنساني؟ الطريق ما زال مفتوحاً على احتمالات كثيرة، وكل حدث صغير قد يغير شكل المشهد غداً.

Exit mobile version