حصار وجوع.. 2025 عام سقوط الفاشر ومقتل المدنيين

مشاوير - وكالات

بدأ حصار مدينة الفاشر، العاصمة التاريخية لإقليم دارفور، فعليًا في العام 2024، لكنه اكتمل واستحكم في 2025، العام الذي سقطت فيه المدينة، وقدّمت فداءً لذلك آلاف القتلى من المدنيين، الذين قضوا إما بالرصاص أو بالجوع والتعذيب داخل معتقلات قوات الدعم السريع.

وبسقوط المدينة، التي كانت تمثل آخر أوراق الجيش السوداني التي كان يراهن عليها في دارفور، تكون قوات الدعم السريع قد بسطت هيمنتها على كامل الإقليم، وبدأت تستعد للتمدد في إقليم كردفان وما وراءه من مناطق في وسط وشمال البلاد.

مشاهد القتل

في السادس والعشرين من أكتوبر 2025، أعلنت قوات الدعم السريع فرض سيطرتها على مدينة الفاشر، تزامن هذا الإعلان مع انتشار عشرات مقاطع الفيديو التي توثق لمقتل المئات من المدنيين داخل المدينة، وأشارت تقارير أممية وحقوقية لاحقة إلى أن عدد القتلى يفوق ألفي مدني، قُتل معظمهم بشكل جماعي، كما أظهرت صور الأقمار الصناعية التابعة لمعهد ييل في جامعة ييل الأميركية.

وقبل سقوط المدينة، تعرّض سكانها للموت بشكل متواتر منذ بداية الحصار، ثم تصاعد ذلك في العام 2025، نتيجة انتشار المجاعة بين المواطنين، وجراء الهجمات المتكررة لقوات الدعم السريع، سواء برًا أو عن طريق الطائرات المسيّرة أو القصف المدفعي الذي لم يتوقف، واستهدف، ضمن ما استهدف، المستشفيات والمدارس ودور الإيواء وغيرها.

ويُعد المستشفى السعودي في الفاشر أحد أبرز نماذج عمليات القتل المتعمد التي مارستها قوات الدعم السريع ضد المدنيين. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، تعرّض المستشفى السعودي، خلال شهر أكتوبر فقط من العام 2025، للقصف أربع مرات، ما أسفر عن مقتل نحو 75 شخصًا. ثم عادت المنظمة، في 28 تشرين الأول/أكتوبر، لتوثق مقتل نحو 460 شخصًا، بينهم مرضى وذووهم وكوادر طبية، ووصفت هذه الهجمات بأنها الأكثر دموية على المنشآت الطبية منذ بدء الحرب.

الجوع يسيطر على المشهد

الجوع والأمباز

تسبب الحصار المستمر خلال العام 2025 في أزمة جوع حادة داخل مدينة الفاشر، نتيجة نفاد السلع الغذائية، إضافة إلى قطع قوات الدعم السريع للإمدادات الغذائية، ومنع المنظمات الإنسانية من الوصول إلى المدنيين.

ومنذ شهر يونيو 2025، حذّر برنامج الأغذية العالمي ومنظمات أممية أخرى من أن السكان في الفاشر يعانون أزمة جوع حادة، إلى جانب نفاد الأدوية المنقذة للحياة وخروج النظام الصحي في المدينة عن الخدمة. وفي أغسطس من العام نفسه، أعلنت المطابخ الجماعية (التكايا)، التي كانت تقدم الغذاء للمواطنين، إغلاق أبوابها بسبب نفاد المواد الغذائية من الأسواق، ما دفع سكان المدينة إلى اللجوء إلى تناول علف الحيوان (الأمباز)، الذي دخل بدوره في دائرة الندرة والغلاء مع تفاقم الحصار.

وكانت منظمة اليونيسف قد حذّرت، أغسطس الماضي، من انتشار سوء التغذية بين أطفال الفاشر، مشيرة إلى أن ما لا يقل عن 260 ألف مدني داخل المدينة، بينهم 130 ألف طفل، أصبحوا عالقين في ظروف بائسة دون مساعدات منذ أشهر.

هجمات ونزوح

تشير إحصاءات غير رسمية إلى أن الفاشر تعرضت لأكثر من 400 هجوم، منذ بدء حصارها في منتصف مايو 2024 وحتى سقوطها في أواخر أكتوبر 2025. وشملت حملات الاستهداف القصف الجوي عبر المسيّرات، والقصف المدفعي المتكرر، والهجمات البرية الضاغطة، بمعدل ثلاث إلى أربع هجمات كبيرة شهريًا.

أطفال خارج أسوار المدارس

ولم تسلم دور الإيواء ومعسكرات النزوح من الهجمات المتكررة والمتعمدة لقوات الدعم السريع. ففي 11 نيسان/أبريل 2025، شنت قوات الدعم السريع هجومًا واسعًا على معسكر زمزم للنازحين، استمر حتى الثالث عشر من الشهر نفسه، واستخدمت خلاله القصف المدفعي وإطلاق النار العشوائي على المدنيين، ما دفع آلاف المدنيين إلى الفرار من المعسكر والنزوح إلى قلب مدينة الفاشر المحاصرة. ورجّحت تقارير حقوقية أن يفوق عددهم 40 ألف شخص.

ووفقًا للأمم المتحدة، أدى هجوم قوات الدعم السريع في أبريل 2025 على معسكر زمزم إلى مقتل أكثر من 1000 مدني داخل المعسكر، بينما وصف مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الهجوم بأنه انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. كما لم يسلم معسكر أبو شوك من هجمات الدعم السريع، إذ تسببت هذه الهجمات، ما بين شهري يناير ويونيو 2025، في مقتل 212 مدنيًا خلال 16 هجومًا، وفقًا لرصد مركز سلاميديا المختص بدراسات السلام.

هدن ومناشدات

في محاولة أخيرة لإنقاذ المدنيين داخل الفاشر، وبعد عام كامل من الحصار، تقدمت عدة جهات دولية وأممية بمقترحات لـ”هدنة إنسانية” تسمح بإغاثة المدنيين داخل المدينة. وفي سبتمبر 2025، قدمت الرباعية الدولية (السعودية، مصر، الولايات المتحدة الأميركية، والإمارات) دعوة إلى هدنة إنسانية شاملة لمدة ثلاثة أشهر، يتوقف خلالها القتال وتسمح الأطراف المتحاربة بوصول المساعدات الإنسانية، لكن المقترح لم يجد طريقه إلى التطبيق، رغم الموافقة الشكلية لقوات الدعم السريع، التي واصلت الحصار وتنفيذ الهجمات على المدينة.

نازحي الفاشر

وقبل ذلك، في 27 يونيو 2025، دعت الأمم المتحدة إلى هدنة إنسانية لمدة أسبوع واحد، عبر مبادرة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلا أن المقترح لم يُنفذ، واستمر حصار المدينة وتجويع سكانها، مع تصاعد وتيرة الهجمات التي تقودها قوات الدعم السريع.

الهجوم الكبير

في السادس والعشرين من أكتوبر 2025، وبعد عام ونصف عام من الحصار، انهارت دفاعات الفرقة السادسة التابعة للجيش السوداني، وتراجعت القوات المشتركة والمقاومة الشعبية تحت وقع هجوم كبير شنته قوات الدعم السريع برًا وجوًا، وعبر قصف مدفعي عنيف. وفي الشهر نفسه، وثقت تقارير الأمم المتحدة مقتل نحو 1850 مدنيًا، بينما أشارت تقارير مستقلة إلى مقتل أكثر من 2000 شخص بعد استيلاء قوات الدعم السريع على المدينة.

يحكي حصار الفاشر قصة أكثر من 260 ألف مدني، بينهم 130 ألف طفل، علقوا لنحو 16 شهرًا تحت الجوع والقصف والحصار. وبسقوط المدينة، تنطوي صفحة طويلة من الصمود والمقاومة، وتُسحب آخر ورقة جغرافية وتاريخية وثقافية من بين يدي الجيش السوداني في دارفور.

Exit mobile version