(البلابسة) وبيع الوهم!!

أشرف عبدالعزيز

في الوقت الذي ينشغل فيه المحللون العسكريون بتتبع مسار شحنة السلاح من “الفجيرة” إلى “المكلا”، والتصعيد السعودي الإماراتي في اليمن، تحاول الماكينة الإعلامية التابعة للنظام البائد في السودان بيع “وهم جديد” للسودانيين. مفاد هذا الوهم أن انهيار “الرباعية الدولية” وصراع المحاور الخليجية هو طوق النجاة الذي سينهي التمرد ويعيدهم إلى كراسي السلطة.

لكن نظرة فاحصة على الواقع الميداني والسياسي تثبت أن هذه “الأمنيات السياسية” لا تمت للواقع بصلة.

يحاول الرافضون للسلام في السودان “البلابسة” تصوير صراع المحاور الخليجية وكأنه المحرك الوحيد للأزمة السودانية، متناسين أن الأزمة الحقيقية تكمن في فشلهم الذريع في إدارة الملف الإنساني.

فبينما يتحدثون عن “إنتهاء صلاحية التفاهمات الدولية” بشأن السودان، تعيش مناطق مثل جنوب كردفان ومدن سودانية أخرى كارثة إنسانية.

إن محاولة ربط مصير الحرب في الخرطوم بـ “تاتشرات” تم تصويرها في حضرموت، هي محض محاولة لتمرير أجندة البقاء في الحكم عبر ادعاء وجود مؤامرة دولية شاملة.

الادعاء بأن تدهور العلاقات السعودية الإماراتية هو الذي سيحسم مسارات الحرب، يكذبه الواقع في شرق السودان.

فإعلان “التحالف الخماسي” الجديد في الشرق ليس نتاجاً لصراع “الرباعية”، بل هو نتيجة مباشرة لضعف القبضة المركزية وفتح الباب أمام “عسكرة القبيلة”.

هذا التحالف الجديد، الذي ينشأ في ظل حالة استقطاب حادة، يهدد بتحويل الشرق إلى بؤرة صراع بين “أمراء حرب” محليين، وهو صراع لا علاقة له بـ “ميناء المكلا”، بل بغياب الرؤية الوطنية واحتماء كل فصيل بحاضنته القبلية لانتزاع مكاسب سياسية من جيش يواجه ضغوطاً ميدانية هائلة.

في المقابل بينما يروج البعض بأن إدارة دونالد ترامب ستكون “منقذة” لأنها ستبتز المحاور المتصارعة، فإن الحقيقة المرة هي أن هذه الإدارة براجماتية إلى أقصى حد.

واشنطن لن تتدخل لإنقاذ تنظيم “الإخوان” في السودان أو لتثبيت سلطة الأمر الواقع؛ بل ستتحرك وفق منطق “الخدمة مقابل الثمن”.

إن تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية –وهو ملف مطروح دائماً على طاولة ترامب– قد يكون هو الثمن الذي تدفعه واشنطن لتهدئة بعض المحاور الإقليمية، مما يعني أن المراهنة على التناقضات الأمريكية والخليجية قد تنقلب وبالاً على المسيطرين على السلطة في بورتسودان.

الحقيقة التي يحاول “البلابسة” حجبها هي أن الدولة السودانية تتآكل من الداخل.

السيطرة على مفاصل الدولة لم تعد تعني السيطرة على الأرض؛ فالتشظي في دارفور، والسيولة الأمنية في الشرق، والمجاعة في جبال النوبة، هي القضايا التي ستحسم مصير السودان، لا شحنات السلاح في موانئ اليمن.

إن تصوير السعودية كـ “بطل يحاصر وكيل الإمارات” هو مجرد دغدغة للعواطف لاستمرار تجييش الشباب في حرب لا يبدو لها أفق سياسي واضح.

إن السودان بحاجة إلى حل يبدأ بالاعتراف بانهيار مؤسسات الدولة وفشل النخب الحاكمة، لا إلى انتظار نتائج الصراعات في موانئ حضرموت.

إن الرهان على “انهيار الرباعية” لن يعيد الشرعية المفقودة لمن يسيطرون على مفاصل الدولة عبر السلاح، ولن يطعم الجوعى في كردفان. إنها مجرد “أوهام بلبوسية” لتمرير الوقت، بينما يدفع المواطن السوداني البسيط فاتورة الدم والنزوح.

Exit mobile version