صقور الجديان في ديار تميم المجد .. ملحمه لبنان (1-6)

عبد الله بشري عمر نبق 

حينما حطّت صقور الجديان رحالها في دوحة العرب، لم تكن مجرد بعثة كروية جاءت لخوض مباراة فاصلة، بل كانت السودان كله يدخل الدوحة بقلبه وجراحه وأحلامه. جاءت بعثة منتخبنا الوطني للمشاركة في تصفيات كأس العرب 2025، في مواجهة مصيرية أمام الشقيق اللبناني، طريقها واحد: إما الفرح أو الانكسار ولما كان السودان لا يعرف الانكسار كان الطريق إما الفرح و إما الفرح والنهائيات التي أُقيمت في الفترة من 1 إلى 18 ديسمبر 2025 بالعاصمة القطرية الدوحة تنتظر الفائز بل كانت تنتظر السودان بالتحديد.

منذ لحظة الإعلان بأن السودان سيلعب في الدوحة، انتفضت الجالية السودانية هناك كما تنتفض الروح حين يُنادى عليها.

خرج الناس من كل صوب، يحملون في صدورهم حنينًا للوطن الجريح، ودموعًا لم تجف بعد، وأملًا لا ينكسر. جاليةٌ هي من أكبر الجاليات العربية في الدوحة، أغلب أبنائها قدموا هربًا من نار الحرب اللعينه، فوجدوا في قطر الأمان، وفي أرض الشيخ تميم وطنًا ثانيًا وملاذًا كريمًا.

بمبادرة وطنية خالصة، شكّل سعادة السفير بدرالدين عبد الله لجنة عليا لاستقبال المنتخب، تشرفتُ بأن أكون مقررها. لم تكن مهمةً سهلة، لكنها كانت واجبًا وطنيًا. عملنا بقلوبنا قبل ايادينا، وبإيمان لا يعرف التعب، من أجل أن يجد صقور الجديان دفء الوطن وهم بعيدون عنه.

تواصلت اللجنة في اجتماعها الأول مع قيادة الاتحاد العام ممثلة في الدكتور معتصم جعفر عبر الاعلامي المميز الاخ العزيز عوض الجيد الكباشي، الذي استقبل المبادرة بترحاب كبير، مثمنًا دور الجالية واللجنة، ومقدّرًا هذا الالتفاف الوطني النادر حول المنتخب، في لحظة كان الوطن فيها في أمسّ الحاجة لوحدة الفرح كما وثمن ان الجالية هي من بادرت بالتواصل مع صقور الجديان وحينها كان المنتخب في معسكره الاعدادي بسلطنة عمان اهل الكرم والضيافة.

تقاسمت اللجنة الأدوار، وتشكّلت فرق للحشد الجماهيري، والدعم المالي، قدامي اللاعبين والتنظيم، ولجنة المرأة التي كان حضورها لافتًا ومؤثرًا.

الجميع عمل كخلية نحل، لا هدف لها إلا شيء واحد: أن ينتصر السودان، أولًا على لبنان، ثم يمضي قدمًا نحو النهائيات.

وصلت البعثة، وكان الاستقبال مشهدًا وطنيًا باذخًا، قاده سعادة السفير بدرالدين عبد الله، الرجل الذي خطف القلوب بحضوره الدائم، وابتسامته الصادقة، وتواضعه، وحبه الجارف للوطن. كان حاضرًا في كل التفاصيل، في الفنادق، في التمارين، في الملاعب ، قبل المباريات مؤازراً صقور الجديان وبعدها مهنئياً ومواسياً حسب ما يستدعيه الامر، وإلى جانبه أبناء الجالية السودانية الذين حضروا بقلوبهم قبل أجسادهم.

قدمت البعثة على ثلاث مراحل، واستقرت في أفخم فنادق الدوحة، وسط كرم قطري أصيل، ليس غريبًا على أهل قطر ولا جديدًا عليهم.

ثم جاءت لحظات القلق… أخبار متضاربة عن مستحقات، عن توتر، عن غياب التمرين الختامي. بلغت القلوب الحناجر، وخيّم الخوف على الجميع، وكدنا نفقد الأمل. لكن قيادة البعثة تحلت بالحكمة، فآثرت الصمت رغم ضغط الإعلام والأسئلة المتكررة.

وفي اليوم الذي سبق المباراة، نزل اللاعبون إلى أرض الملعب، تمرنوا، فعاد الأمل، وكأن الروح دبت من جديد في الجسد السوداني كله.

وجاء يوم ملحمة لبنان…

اليوم الذي عرف فيه العالم أن السودانيين ليسوا جمهورًا عاديًا، بل حالة عشق لم يجد لها الناس تفسيراً الي الان. امتلأ استاد الغرافة عن آخره بالجماهير السودانية: رجال، نساء، شيوخ، شباب، أطفال… أعمار مختلفة وقلوب عامره بحب هذا الوطن، لكن صوت واحد وقلب واحد وراية واحدة السودان وبس.

فوق فوق سودانا فوق

بالطول بالعرض سودانا يهز الأرض.

هتفوا،غنوا،بكوا،صبروا.

ورغم التأخر بهدف، ورغم طرد جون مانو، لم تنكسر الروح. عاد صقور الجديان بشراسة الأبطال، وقلبوا الطاولة، وخطفوا هدفين بطعم الدموع والفرح والكرامة واهتز الملعب واندهش الجميع من هذا الحب الكبير لوطن تتقاذفه امواج الحرب ويتفرق اهله بين دول العالم باحثين عن الامان والسلام.

في تلك اللحظة، لم يكن هناك سوداني في المدرجات إلا وبكى.

بكينا لأن الوطن كان حاضرًا.

بكينا لأن السودان انتصر.

وتأهلنا للنهائيات… ويا لها من فرحة تشبه المعجزة.

وما جاء في هذا المقال ما هو الا البداية.

بداية حكاية وطن، وجمهور، ومنتخب حمل اسم السودان في زمن الجراح، ورفعه عاليًا في مدرجات الدوحة. هذه ليست قصة مباراة وبطولة فحسب، بل قصة شعب سوداني فريد وجد في كرة القدم نافذة أمل، وفي صقور الجديان سببًا للبكاء فرحًا.

هذا المقال هو الحلقة الأولى من سلسلة تتكوّن من ست حلقات، سنروي فيها تباعًا تفاصيل ما جرى خلف الكواليس، ومواقف لا تُنسى، وشخصيات كان لها دور كبير، ولحظات ستبقى محفورة في الذاكرة السودانية.

القادم أكثر عمقًا، أكثر صدقًا، وأكثر وجعًا وفرحًا…

فترقّبوا الحلقات القادمة، فالحكاية لم تنتهِ بعد، والسودان دائمًا يستحق أن تُروى قصته كاملة.

Exit mobile version