صقور الجديان في ديار تميم المجد .. حكاية رجل اسمه محمد حلفا (6/2)

عبد الله بشري عمر نبق

قبل وصول بعثة المنتخب إلى الدوحة، كان التواصل المبكر مع الأستاذ محمد سليمان حلفا، عبر الإعلامي القدير شمس الدين الأمين، كافيًا لمنح انطباع أولي مختلف. الرجل يعرف ما يريد، ويتحدث بلغة التنظيم والبرنامج، فحسبنا ان ذلك هو من باب حلو الحديث ولكن ومع وصوله، تأكد الانطباع.

حلفا لم يكن رئيس بعثة يجلس في الصفوف الخلفية، بل كان حاضرًا في كل التفاصيل، متحركًا بلا كلل، مبتسمًا رغم الضغوط، وممسكًا بخيوط مشهد بالغ التعقيد. ومنذ اللحظة الاولي ادركنا باننا امام شخص لم يكن ممثلًا لاتحاد متماسك، بل رجل حاول جاهدًا سد فراغات واضحة في العمل المؤسسي.

الاتحاد… أزمة ثقة لا أزمة نتائج
التحفظ على الاتحاد العام لكرة القدم السوداني لم يأتِ من فراغ. هو نتاج سنوات من القرارات المرتجلة، والأزمات المتكررة، وغياب الشفافية.

وما حدث في الدوحة لم يكن استثناءً، بل كاد أن يكون حلقة جديدة في مسلسل الإخفاق.

أزمة حقوق اللاعبين، على سبيل المثال، لم تكن خلافًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لوعود أُطلقت دون ضمانات، والتزامات لم تُدرس جيدًا.

وهي أزمة كادت أن تنسف المشاركة كاملة، وتضع السودان في موقف محرج أمام العالم. وهي أزمة صنعتها وعود غير مكتملة من الاتحاد.

هنا كان يمكن أن تنهار المشاركة بأكملها، وأن يُسجَّل التاريخ انسحاب السودان من تصفيات كاس العرب 2025 رغم وصول بعثته الي الدوحه.

حينها اختار حلفا الصمت أولًا رغم ضجيج الإعلام، لا هروبًا، بل لجمع الخيوط. ثم تحرّك بهدوء، تفاوض، شرح، احتوى الغضب، ونجح – بمعاونة تفهم اللاعبين – في تجاوز الأزمة، ليخوض السودان مباراة لبنان، وينتصر فيها، ويؤكد أن الإدارة الجيدة قد تهزم أسوأ الظروف.

عمل ميداني بلا بروتوكولات
في الدوحة، لم يكن لحلفا مكان ثابت حيث اعتدنا ان نري رؤساء البعثات دائماً في الفنادق والملاعب ولكننا راينا شخصاً اخراً هنا.

تراه في المركز الثقافي السوداني وسط بروفات الالتراس، ثم في السفارة السودانية منسقًا، ثم في الفندق مستقبِلًا للمسؤولين، ثم في التمارين والمباريات ، ثم مع اللاعبين في تفاصيلهم اليومية.

لحظة الفرح… إنسان قبل أن يكون رئيس بعثه
رقصة محمد حلفا التي التقطتها الكاميرات وتناولتها وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن لقطة عابرة، بل كانت شهادة على حجم الضغط الذي عاشه الرجل.

في تلك اللحظة، خرج الإنسان من عباءة المسؤول، وعبّر عن فرح صادق، مستحق، ومفهوم لكل من عاش كواليس تلك الأيام الصعبة.

علاقة ذكية مع اللاعبين
أكثر ما ميّز تجربة حلفا في الدوحة هو علاقته باللاعبين. لم يكن رئيس بعثهً متسلطاً، ولا صديقًا متساهلًا. عرف كيف يوازن بين القرب والانضباط، وبين المزاح والحزم، فبنى ثقة متبادلة كانت صمام الأمان الحقيقي للبعثة.

ولو غابت هذه العلاقة، لكان سيناريو الانسحاب أو الانفجار الداخلي هو الاقرب للحدوث فلله الحمد والشكر.

نجاح إداري رغم الإخفاق الفني
صحيح أن النتائج الفنية لم تكن على مستوى الطموح، لكن الإنصاف يقتضي الفصل بين الفني والإداري. إداريًا، خرج السودان من المشاركة بأقل الخسائر، وربما بأهم مكسب: صورة محترمة امام العالم، وجماهير مبهرة، وبعثة عبرت إلى بر الأمان في ظروف بالغة التعقيد.

ما بعد الحكاية
حكاية محمد حلفا ليست تمجيدًا لشخصه بقدر ما هي مرآة لواقع الكرة السودانية، ودعوة صريحة للتفكير بصوتٍ عالٍ.

فالتجربة أكدت أن ما تحقق في الدوحة كان ثمرة اجتهادات أفراد، لا نتاج عمل مؤسسي مستقر، وهو واقع لا يمكن تجاهله أو تجميله.

ماذا لو أُديرت الكرة السودانية بعقلية تحترم التخطيط بدل الارتجال، وتُقدّم العمل على الصراع، والمسؤولية على المناصب، والكفاءة على الحسابات الضيقة؟

هذه الأسئلة نطرحها بدافع الحرص. لأن أزمة الاتحاد العام لكرة القدم السوداني لم تعد أزمة نتائج فقط، بل أزمة رؤية وإدارة، وأزمة ثقة تتجدد مع كل مشاركة، وتُهدر معها جهود اللاعبين والجماهير وكل من يعمل بصدق.

هي أسئلة نتركها معلّقة، لا لأن الإجابة مستحيلة، بل لأن الإجابة تبدأ بإصلاح حقيقي: مؤسسية واضحة، التزامات محترمة، تخطيط يسبق المشاركات لا يلاحقها، ومحاسبة تعترف بالتقصير قبل أن تحتفل بالنجاة.

إلى أن يحدث ذلك، ستظل الكرة السودانية رهينة اجتهاد الأفراد، لا قوة المؤسسات.

Exit mobile version