سرديات متناقضة

فيصل محمد صالح

هناك جدال وحوار يتم بين سرديات متناقضة حول أسباب ونتائج الحرب التي تدور حالياً في بلادنا وطريقة توصيفها. يعرف البعض الطبيعة المعقدة للحروبات عموماً والحرب الحالية في السودان، لكن بالمقابل هناك من يريد تبسيط المسألة والوصول بها لسردية بسيطة ومباشرة لخدمة أغراضه ومواقفه السياسية.

بمعنى أنه وبدلاً من أن تكون مواقفه السياسية نتيجة طبيعية ومنطقية لطبيعة هذه الحرب، فإنه ينطلق بصورة عكسية من مواقفه السياسية الجامدة ليفسر بها الحرب.

يأخذ الناس موقفاً من الحرب لأسباب كثيرة ومعقدة يجب أن نتفهمها، ومنها التجارب الشخصية والتجاوب مع الدعوات الإثنية والعرقية َتأثيرات خطابات الكراهية وغيرها، لذا يجب أن نتفهم هذه الدوافع ولا نصنِّف الناس بالتصنيفات الحدية والمبسطة.

بالمقابل يريد لنا البعض أن نتبنى نظرية الغزو الأجنبي، وكأن بلادنا كانت هادئة نائمة راضية عن حكامها ونظامها، ثم صحونا يوماً على غزو أجنبي يحاول أن يدمر بلادنا، وبالتالي فإن من واجبنا أن نلتفَّ حول “قيادتنا الوطنية” التي تخوض حرباً دفاعاً عن كرامتنا وأمننا.

لم تكن بلادنا آمنة، وما كانت القيادة التي تتولى السلطة قيادة وطنية يرضى عنها الشعب، بل هي مجموعة عسكرية انقلبت على ما تراضى عليه الشعب وما وقَّعوا عليه من التزامات ووثائق لينفردوا بالسلطة.

ولم تكن إرادتهم الوطنية الحرة هي دافعهم، بل كانوا رهن مخططات دول أخرى في المنطقة وخارجها لا تريد لبلادنا أن تسير على طريق السلطة المدنية الديمقراطية، فدفعتهم ودعمتهم للانقلاب على الحكومة الانتقالية.

ولأن طبيعة الانقلابات لا تقبل أن تكون برأسين فقد اشتجرا للانفراد بالسلطة، وتوزعت الدول الداعمة للانقلاب بين الرأسين، كلٌّ يدعم طرفاً، فما الذي يجعل أحدهما وطنياً يتوجب دعمه ومساندته؟.

سبب الحرب الرئيسي هو الصراع على السلطة بدعم سياسي من النظام القديم وأنصاره، هذا هو الموقف المبدئي الذي يقبله المنطق والعدل، لكنه أيضاً ليس موقفاً متحجِّراً ينظر صامتاً لتطورات الحرب وحجم الجرائم والانتهاكات التي وقعت، ويركن لإدانة الجنرالين وينام مطمئناً لموقفه، مكتفياً بذلك.

هذا الموقف يتطلب المراقبة المستمرة لأوضاع المدنيين في الحرب، وما يرتكبه أي طرف من جرائم وانتهاكات، بما في ذلك منع وصول المساعدات الإنسانية وتقييد حركة المدنيين، وأن يتبنى بجدية شديدة شعار عدم الإفلات من العقاب لكل من ارتكب جرماً.

وبالضرورة أن لا يتجاهل هذا الموقف التدخلات الأجنبية، مع تفاوت حجمها، أو يتجاهلها وكأنها ليست موجودة. التدخل الأجنبي حقيقة واقعة، قبل الحرب وبعده، ولولاه لما استطالت هذه الحرب واستمرت كل هذه المدة.

وإن لم تستطع الضغوط الدولية أن تمنع الدول التي تموِّل وتدعم الحرب فإن كل جهد سياسي لوقف الحرب لن ينجح. لكن قبل وبعد كل هذا فإن الصراع السياسي الداخلي هو الذي فتح الباب للتدخل الأجنبي، ومعالجته بحلول مستدامة هو الطريق لسدِّ هذا الباب مرة أخرى.

Exit mobile version