السودان: بين ضغط الدبلوماسية ونيران الميدان: هل تلتقي الهدنة الإنسانية مع الواقع؟

تقرير - رشا رمزي

في وقتٍ تتسارع فيه المبادرات الإقليمية والدولية لإيقاف النزيف السوداني، يبدو المشهد منقسماً بحدة بين حراك دبلوماسي نشط وخارطة ميدانية تزداد قسوة وتعقيداً. فبين اجتماعات رفيعة المستوى في الرياض وأديس أبابا، وضربات جوية دامية في أسواق جنوب كردفان، وصراعات سياسية داخلية وخلافات حول أدوار الوسطاء، يتبدى السؤال الجوهري: هل بات وقف إطلاق النار الإنساني أقرب، أم أنه ما يزال رهينة تناقضات المصالح وتعدد المسارات؟

اللقاء الذي جمع كبار المسؤولين السعوديين مع كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، يعكس عودة الزخم إلى المسار السعودي–الأمريكي في محاولة إعادة ترتيب أوراق الأزمة. التركيز على هدنة إنسانية عاجلة، تتيح وصول المساعدات وتخفف معاناة المدنيين، يكشف إدراكاً متزايداً بأن الحرب دخلت مرحلة استنزاف مفتوح، وأن استمرارها بات يهدد استقرار الإقليم بأكمله. غير أن هذا الحراك، على أهميته، يظل محكوماً بتحدي الانتقال من لغة التوافق السياسي إلى أدوات ضغط فعالة على أطراف النزاع، وهي معضلة رافقت كل المبادرات السابقة.

وبينما تتحرك الرياض وواشنطن في مسار مشترك، يظهر مسار موازٍ تقوده الإمارات وإثيوبيا، يقوم على الدعوة إلى وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية، وربط الهدنة الإنسانية بعملية انتقالية تقود إلى حكومة مدنية مستقلة. هذا الطرح، الذي جرى تأكيده خلال مباحثات أديس أبابا، يعكس توجهاً يسعى لدمج البعد الإنساني بالحل السياسي، وعدم الاكتفاء بإجراءات مؤقتة قد تنهار سريعاً. كما أن استحضار نتائج المؤتمر الإنساني رفيع المستوى الخاص بالسودان، والتنسيق مع إيغاد والاتحاد الأفريقي، يشي بمحاولة توسيع المظلة الإقليمية والدولية، تفادياً لتكرار إخفاقات الوساطات المجزأة.

غير أن هذه التحركات تصطدم بواقع ميداني شديد القسوة، كما تكشفه الحادثة الأخيرة في سوق أنجمينا بجنوب كردفان. فاستهداف سوق مدني مكتظ، في منطقة لا تشهد أي وجود عسكري، يعيد التذكير بأن المدنيين ما زالوا الحلقة الأضعف في هذه الحرب، وأن الحديث عن هدنة إنسانية يبدو، بالنسبة لسكان تلك المناطق، أقرب إلى خطاب بعيد عن معايشهم اليومية. الضربة، بما خلّفته من قتلى وجرحى ونقص حاد في الخدمات الطبية، لا تمثل حادثة معزولة، بل نموذجاً لتآكل الخط الفاصل بين الجبهات العسكرية والحياة المدنية.

وفي موازاة التصعيد العسكري، يتحرك المشهد السياسي الداخلي على إيقاع مختلف. تصريحات سليمان صندل حقار حول استمرار تحالف السودان التأسيسي في تنفيذ برامجه، واستعداده لخطوات سياسية جديدة، تعكس محاولة بعض القوى إعادة التموضع في ظل الفراغ السياسي والانقسام الحاد. غير أن هذه التحركات، رغم أهميتها التنظيمية، تظل محدودة التأثير ما لم تُربط بمسار وطني جامع قادر على مخاطبة جذور الأزمة، وليس فقط إدارة توازنات مرحلية.

يزيد من تعقيد المشهد الخلاف المتصاعد حول دور الاتحاد الأفريقي، والذي تجلى في المذكرة الاحتجاجية التي رفعتها قيادات مدنية سودانية اعتراضاً على ما اعتبرته انحيازاً لمبادرة صادرة من أحد أطراف النزاع. هذا الخلاف لا يتعلق ببيان عابر، بقدر ما يعكس أزمة ثقة أعمق بين القوى المدنية ومؤسسات الوساطة الإقليمية. فدعم مبادرات أحادية، أو الظهور بمظهر المنحاز، يهدد بتفكيك ما تبقى من شرعية الاتحاد الأفريقي كوسيط، ويعمّق الانقسامات بدلاً من توحيد مسارات الحل.

هكذا، يقف السودان عند مفترق طرق بالغ الحساسية. فالدبلوماسية الإقليمية والدولية تبدو أكثر نشاطاً من أي وقت مضى، لكن الميدان يرسل إشارات معاكسة، تؤكد أن الحرب ما زالت قادرة على إفشال أي توافق نظري. وبين هذين المستويين، تبرز معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة استعادة الثقة، سواء بين الأطراف السودانية نفسها، أو بينها وبين الوسطاء. من دون هذه الثقة، ستظل الهدنة الإنسانية احتمالاً مؤجلاً، وسيبقى المدنيون يدفعون ثمن صراع لم ينجح بعد في إنتاج سلام قابل للحياة.

Exit mobile version