نازحات مناطق النزاع السوداني يواجهن الاستغلال وغياب الحماية في المدن الآمنة
مشاوير - تقرير: منهاج حمدي
وسط ظروف إنسانية قاسية في المدن الآمنة بولايات عدة تصارع النساء السودانيات اللاتي نزحن من مناطق الصراع المسلح يومياً لأجل تلبية الاحتياجات الأسرية، خصوصاً بعدما باتت عشرات النساء بلا معيل وتعقدت حياتهن كثيراً، واضطررن إلى العمل لمواجهة أوضاع الحرب القاسية.
وعلى رغم الاستغلال والتحرش الجنسي وغياب الحماية، تمكنت كثيرات من النسوة الأرامل، خصوصاً النازحات من دارفور وكردفان، من مقاومة مآلات الصراع المسلح والتغلب على ظروفهن برسم واقع مغاير من خلال العمل في الأعمال المنزلية وبيع الشاي والقهوة، فضلاً عن ممارسة أنشطة تدر عائداً مناسباً يساعدهن في تسيير معيشتهن اليومية.
استغلال مستمر
نادية الطيب التي نزحت من منطقة أبوزبد بغرب كردفان، قالت لمنصة (مشاوير) “أصبح أطفالي بلا معيل يعينهم على توفير أدنى حاجاتهم اليومية بعد وفاة زوجي في قصف بطائرة مسيرة، لذا وجدت نفسي أمام تحديات صعبة، وقررت العمل في أي مهنة تدر عائداً يسهم في تسيير المعيشة اليومية.
وأضافت : من خلال رحلة البحث المستمرة حصلت على فرصة عمل في منزل أسرة مقتدرة اقتصادياً بمدينة أم درمان بمقابل مالي جيد، لكنني أعاني الاستغلال وزيادة ساعات العمل من دون وجود حماية في ظل ظروف الحرب الحالية.
وأوضحت الطيب أن “عدداً كبيراً من النساء العاملات في منازل أحياء أم درمان يعانين الأمرين بسبب الاستغلال والعمل ساعات طويلة مقابل رواتب لا تفي حتى بالحد الأدنى من متطلبات المعيشة الأساسية، مما أدخلهن في دوامة من الديون والهموم.
وتابعت : تفاقم الوضع المعيشي في ولاية الخرطوم إلى حد لا يطاق، وارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية إلى أكثر من خمسة أضعاف عقب انهيار الجنيه السوداني في مقابل الدولار.
نساء سودانيات
تحرش ومضايقات
بدورها أشارت مريم الفضل التي نزحت من دارفور في حديثها لمنصة (مشاوير)، إلى أنها “تعيل أسرة من أربعة أبناء وبنات، وظلت منذ نحو عام ونصف العام تنفق عليهم من عملها كبائعة شاي في مدينة القضارف شرق السودان بعد وفاة زوجها منذ اندلاع الحرب، وباتت تصارع ظروفاً قاسية، وتعمل بكد لإعالة أسرتها.
وقالت الفضل، “لم أنل حظاً من التعليم نظراً إلى طبيعة المجتمع الريفي في إقليم دارفور، لكنني حالياً أكثر إصراراً على توفير كل ما يعين أبنائي في الدراسة، والآن ما يأتيني من دخل يكفي لتأمين المعيشة ومصاريف الدراسة
وأضافت : أكثر ما يؤلمنا هو التحرش الجنسي والمضايقات التي نتعرض لها في الأسواق خصوصاً من سائقي الشاحنات وبعض جنود المجموعات المسلحة خلال ساعات الليل، إضافة إلى غياب الحماية وعدم التمكن من فتح بلاغات في أقسام الشرطة نظراً إلى فقدان الأوراق الثبوتية والوثائق.
وأردفت النازحة السودانية “نواجه، هذه الأيام، مشكلة تراجع الدخل بسبب قلة الزبائن نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة، علاوة على ارتفاع تعرفة المواصلات.
أزمات كارثية
وكشفت دراسة حديثة أجرتها جامعة “الأحفاد” السودانية للبنات بالتعاون مع منظمات مجتمع مدني محلية، عن واقع مأسوي لبائعات الشاي والعاملات المنزليات في مدينتي أم درمان والقضارف.
وأفادت نتائج الدراسة بأن “الحرب حولت نحو 57 في المئة من النساء اللاتي شملتهن الدراسة إلى معيلات لأسرهن، إذ تقع على عاتق 83 في المئة منهن مسؤولية إعالة أربعة أشخاص أو أكثر”، وبينت الدراسة أن 75 في المئة من بائعات الشاي في مدينة أم درمان هن نازحات من مناطق النزاع بخاصة ولاية جنوب كردفان.
وأشارت إلى أنه “على رغم أن 66 في المئة منهن يشعرن بأمان نسبي في مواقعهن المباشرة، فإن 33 في المئة عبرن عن قلق عميق جراء انتشار الأسلحة وتدهور المعايير الأخلاقية الناجم عن تداعيات الحرب.
ووثقت الدراسة التي اعتمدت على منهج بحثي مختلط، كيف تحولت الحرب إلى محرك رئيس لدفع النساء نحو مهن تفتقر لأدنى مقومات الأمان، إذ تواجه بائعات الشاي تحرشاً لفظياً وتنمراً مستمراً في الأماكن العامة من قبل الزبائن بنسبة 55 في المئة، وكذلك تواجه العاملات المنزليات تهديداً أكبر بالعنف الجسدي والجنسي داخل البيوت.
نساء سودانيات
ضياع الحقوق
في السياق أوضح الناشط الحقوقي معتز بابكر في حديثه لمنصة (مشاوير) أن “بائعات الشاي والقهوة والعاملات في المنازل يفتقرن إلى الحماية بسبب تداعيات الصراع المسلح، إضافة لتعرضهن للتحرش والاستغلال من الأسر، لا سيما في عمليات الاتفاق المالي، إذ تسود العقود الشفهية بنسبة 95 في المئة نتيجة فقدانهن الوثائق والأوراق الثبوتية، مما يترك العاملات عرضة لإنكار الحقوق والأجور.
ونوه بابكر إلى أن “هناك أزمة ثقة من قبل النازحات في أجهزة إنفاذ القانون الرسمية وآليات الإبلاغ عن الحوادث نظراً إلى التصنيف الجهوي أو القبلي في بعض الأحيان، مما يدفع نساء كثراً للصمت خوفاً من الوصمة أو الملاحقة.
ولفت الناشط الحقوقي إلى أن “النازحات من كردفان ودارفور يعملن في المنازل ما بين 12 و14 ساعة يومياً من دون عقود موثقة تضمن حقوقهن بسبب عدم معرفتهن بقوانين العمل.