وسط مخاوف من أن تتحول السلع إلى أدوات حرب غير مباشرة، تبادلت كل من سلطات “الدعم السريع” في إقليم دارفور وولايات الشمال والوسط وكردفان التي يسيطر عليها الجيش السوداني، حظر حركة السلع بين الولايات التي تخضع لسيطرة كل منهما، بكل ما تحمله من تأثيرات قد تمس على نحو عميق حركة التجارة بين الشمال والغرب وتقسيم البلاد اقتصادياً إلى جزر ومناطق معزولة، تعمق روح الانفصال الاقتصادي والتشظي السياسي والجغرافي للسودان.
ويبقى السؤال المهم الآن على الساحة السودانية، هل تتحول حرب حركة السلع بين الشمال والوسط ودارفور إلى سلاح اقتصادي يهدد وحدة البلاد في غمار الصراع والمواجهات العسكرية المحتدمة؟
سيطرة وحظر
عقب إكمال سيطرتها على عواصم ولايات دارفور الخمس (جنوب ووسط وشرق وغرب) وأخيراً الفاشر عاصمة شمال دارفور، قرر المجلس الاستشاري لإقليم دارفور بقيادة قوات “الدعم السريع”، حظر نقل 12 من السلع المنتجة في مناطق نفوذه هناك، إلى أي من المناطق التي يستحوذ عليها الجيش في الوسط والشمال وشمال كردفان.
وشملت تلك السلع والمنتجات جميع أنواع الصمغ والفول السوداني وزيت الطعام والتبغ والأبقار والماعز والإبل والضأن والويكة – بامية مجففة والسمسم والدخن والأمباز- علف حيواني والذرة والكركديه، فضلاً عن الذهب والمعادن الأخرى.
وعمدت قوات “الدعم السريع” إلى تشديد حظر حركة تلك السلع باتخاذ إجراءات صارمة تبدأ باحتجاز ومصادرة الشاحنات وقطعان المواشي وأية سلع ومنتجات يجري ضبطها مهربة من دارفور إلى مناطق سيطرة الجيش.
حظر مقابل
في المقابل ومع تصاعد المواجهات والمعارك عند محوري كردفان ودارفور وسقوط مدينة الفاشر، أصدر والي ولاية الخرطوم نهاية عام 2025، قراراً منع بموجبه نقل وخروج السلع والبضائع والمنقولات كافة من الحدود الغربية للولاية أو عبرها إلى مناطق سيطرة “الدعم السريع” في كل من كردفان ودارفور.
وسبقت الخرطوم الولاية الشمالية بقرار منع حركة الشاحنات من الولاية أو عبرها إلى مناطق سيطرة “الدعم السريع” في كل من كردفان ودارفور وغرب الولاية، ونص القرار أيضاً على عقوبات مشددة بالسجن خمسة أعوام والغرامة 10 ملايين جنيه سوداني (17 ألف دولار) ومصادرة السلع والبضائع ووسيلة النقل.
وبالموجهات والعقوبات ذاتها، حظرت ولاية شمال كردفان خروج السلع والبضائع من عاصمتها مدينة الأبيض إلى المناطق التي تسيطر عليها “الدعم السريع” في أية أجزاء من الولاية ودارفور.
حرب السودان
مخاوف وبدائل
على الصعيد الشعبي تباينت الآراء والمواقف في شأن تلك القرارات بين المخاوف من تعميق الأزمة الإنسانية ومفاقمة الجوع نتيجة انعكاساتها على أسعار السلع في أسواق دارفور، بخاصة تلك التي تعتمد على جلبها من ولايات الوسط والشمال، وبين من يرى أن بالإمكان تجاوز تلك الآثار بانفتاح دارفور على دول الجوار الحدودي مثل جنوب السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا كمصادر بديلة لتغذية أسواق الإقليم وسد النقص في السلع المحظورة، وتصدير السلع المنتجة محلياً الممنوع وصولها إلى الشمال والوسط التي شهدت وفرة كبيرة لإنعاش حركة الأسواق الداخلية.
وبحسب مراقبين، أدت القرارات إلى حال خوف وسط التجار والمزارعين والرعاة في دارفور، إذ تعرضت الشرائح الضعيفة مثل عمال الشحن والتفريغ (الحمالون) لأضرار بالغة بسبب توقف عربات الشحن، وباتوا في مواجهة ضائقة معيشية حقيقية بعد فقدانهم مصدر دخلهم اليومي من العمل في أسواق الإقليم.
انهيار الأسعار
وتأثر كذلك نشاط التجار في مدن إقليم دارفور بصورة كبيرة، بخاصة الذين كانوا يعملون في تجارة المحاصيل بين المدن الشمالية والغربية بعد إغلاق الطرق بواسطة قوات “الدعم السريع”، مما أدى إلى انهيار أسعار المحاصيل ولا سيما الحبوب الذي تسبب بدوره في تأثر شريحة المنتجين والمزارعين على نحو واسع في دارفور.
أما في مناطق سيطرة الجيش، فتأثر المواطنين بارتفاع أسعار المنتجات التي كانت تصل من دارفور إلى حد بعيد مثل اللحوم والعلف بصورة كبيرة، بخاصة في شمال السودان، بينما شهد إقليم دارفور نقصاً كبيراً في الإمدادات التي كانت تصل من الوسط والشمال مع ارتفاع ملحوظ في أسعارها، مما عرضهم لخسائر كبيرة بسبب تكدس المنتجات والمحاصيل وتلفها نتيجة عدم قدرتهم على نقلها إلى الأسواق.
قرارات متتالي
في السياق يرى الناشط الاقتصادي زهير عبدالرحمن أن التأثيرات الأولى للقرارات المتبادلة ستكون في الواقع الإنساني وأزمة الغذاء المتفاقمة في دارفور التي تعتمد على سلع الدقيق والقمح والسكر والوقود الآتية من ولايات الوسط والشمال، بخاصة الشمالية ونهر النيل.
لذلك يتوقع عبدالرحمن أن يتسبب الحظر بشح حاد في الغذاء، تحديداً ضمن مناطق النزوح مثل الفاشر ونيالا والجنينة التي ستتضرر منه الشرائح الضعيفة من الأطفال والنساء وكبار السن بصورة رئيسة، مما سيرفع من معدلات الجوع وسوء التغذية، وبما أن الحظر يشمل أيضاً الأدوية والمستلزمات الطبية فهو يهدد بانهيار الخدمات الصحية وخروج المستشفيات والمراكز الصحية القليلة العاملة عن الخدمة.
ويقول “فضلاً عن الآثار الإنسانية، فهناك أيضاً آثار اقتصادية مباشرة تتمثل في ندرة السلع وتضاعف الأسعار ومعدلات التضخم المحلي وازدهار التهريب والسوق السوداء وكل مظاهر اقتصاد الحرب، وفوق كل ذلك تدمير سلاسل الإمداد الوطنية وما يترتب عليها من خسائر فادحة للمنتجين والتجار وشركات النقل البري”.
وتمتد المخاوف، وفق الناشط، إلى محاذير تحول السلع إلى وسيلة لتمويل العمليات الحربية، بالتالي استخدام الغذاء كسلاح في الحرب، من خلال توظيفه للضغط على المجتمعات، مما يهدد بدوره بفتح الباب أمام تفكيك روابط النسيج الاجتماعي، ويشير إلى آثار طويلة المدى إذا طالت فترة الحظر المتبادل للسلع، تتمثل في تغيير أنماط التجارة والجغرافيا الاقتصادية، إذ قد يتجه إقليم دارفور نحو تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى بديلاً عن العمق السوداني بتعميق الانفصال الاقتصادي، محملاً قوات “الدعم السريع” المسؤولية بالمبادرة باتخاذ قرارها المدمر من دون اتخاذ أية تحوطات أو معالجات لآثاره السلبية الخطرة.
من جانبه عدّ حزب الأمة القومي تلك القرارات جزءاً من استخدام الغذاء كسلاح لمعاقبة المدنيين، مما يشكل جريمة حرب وانتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي، ويفضح ادعاءات المساواة في معاملة السودانيين من دون تمييز.
وطالب ضمن بيان سلطات الولايات الثلاث بالتراجع الفوري عن تلك القرارات، وقال إنها تلحق أذى بالغاً بالمواطنين الأبرياء وتتعارض مع أبسط واجبات الدولة في حماية حياة الناس وصون كرامتهم.
حرب السودان
مناطق حبيسة
على نحو متصل أوضح المحلل الاقتصادي عبدالعظيم المهل أن حظر السلع من المناطق التي تسيطر عليها قوات “الدعم السريع” يتضرر منه المنتج في تلك المناطق الذي لا يستطيع بيع أو تصدير منتجاته، مما يؤثر في وضعه الاقتصادي ويمنعه من الزراعة مستقبلاً، ويصب ذلك في مصلحة ميليشيات التهريب ويتضرر الوطن بسبب فقد عملات حرة من السلع المختلفة بالنسبة إلى السلع.
أما بالنسبة إلى مناطق الحكومة التي يسيطر عليها الجيش، فيرى المهل أن الوضع يبدو أفضل بحكم وجود مؤسسات حكومية تقوم بدورها والسلع المصدرة تصل إلى الميناء بسهولة ويسر بدليل تصدير أكثر من 70 طناً من الذهب عام 2025، فضلاً عن تصدير كثير من السلع ورفد الخزانة القومية بأموال الجمارك والضرائب.
ويضيف “لكن مناطق سيطرة “الدعم السريع” هي عبارة عن منطقة حبيسة، مما يصعب أيضاً قيام دولة في تلك المناطق وقد شعر المواطن في مناطق التمرد بالارتفاع الكبير للأسعار وندرة السلع وانعدامها في بعض الأوقات وحتى إيرادات “الدعم السريع” انخفضت بصورة كبيرة ونحو 80 في المئة من المتحركات موجودة في منطقة الحكومة”.
إضافة إلى كل ذلك، بحسب المهل، تسبب انتشار النهب والقتل وانعدام الأمن في هرب الشاحنات وأساطيل النقل من مناطق سيطرة قوات “الدعم السريع” إلى مناطق الحكومة أو حتى إلى خارج البلاد، مما سيكون له تأثيره السلبي في الاقتصاد الوطني وفي عائد الصادرات وسعر العملة والتضخم والإنتاج والاستهلاك والاستثمار والزراعة والصناعة والخدمات.
حرية وأخطار
على الصعيد ذاته يرى الأكاديمي والمحلل الاقتصادي محمد الناير أن السودان لا يزال دولة واحدة تديرها حكومة معترف بها دولياً، وتتولى شؤون كامل أرجاء البلاد إلى حين عودة المناطق التي يسيطر عليها التمرد عاجلاً أم أجلاً، لذلك فإن الوضع الطبيعي هو أن تكون حرية حركة السلع مكفولة ومتاحة من وإلى كل بقاعه وولاياته، لكن المخاوف والأخطار الكبيرة خلال الفترة الراهنة، بخاصة في مناطق سيطرة قوات “الدعم السريع” المتمردة، تجعل من الصعب والمعقد جداً أن تكون هناك سيطرة وحرية في انسياب حركة السلع.
ويصف الناير ما يحدث الآن في شأن تقييد حركة السلع بأنه “وضع استثنائي موقت”، لكنه سيؤثر في مجمل اقتصاد البلاد، خصوصاً أن كل ولاية من ولايات السودان تتمتع بميزات نسبية تختلف عن الأخرى، مما يعني أن هناك تكاملاً سلعياً واقتصادياً وتجارياً بينها وتكمل بعضها بعضاً، بحكم طبيعة ومناخات البلاد المتنوعة.
منتجات الصادر
ويتابع أن “هناك مثلاً بعض الولايات التي تسيطر عليها ’الدعم السريع‘ تنتج على نحو خاص سلعاً ومنتجات جزء كبير منها مخصص للصادر، لكن ذلك يجري عبر منافذ التصدير وموانئ البلاد بالبحر الأحمر، غير أن تعقيدات الحرب هي التي أعاقت هذه المسألة في الوقت الراهن، بكل آثارها وانعكاساتها السلبية على اقتصاد البلاد”.
ويعتقد الناير بأن كل أسباب تقييد تلك الحركة ستزول بمجرد عودة الأوضاع لطبيعتها باستعادة الجيش السيطرة على المناطق التي تضع قوات “الدعم السريع” يدها عليها، أو قد يكون جرى تصحيح الوضع بصورة نهائية وستعود حركة السلع لما كانت عليه قبل تمرد “الدعم السريع”.
تاريخ من التبادل
وظلت العلاقات الاقتصادية بين دارفور وشمال السودان تاريخياً تتسم بالتبادل التجاري عبر قوافل الصحراء التجارية، إلى داخل السودان وخارجه.
وحتى فترة ما قبل الاستعمار كانت دارفور مملكة قوية ومحوراً تجارياً مهماً، حيث كانت تستقطب التجار من غرب أفريقيا والمغرب العربي، وتزدهر فيها تجارة الذهب والعبيد والريش، وتعرف مدنها مثل كوبة كمركز تجاري رئيس.
ومع ازدهار دور دارفور كمركز تجاري ما قبل الاستعمار البريطاني، كانت تستقبل التجار والمهاجرين وتوفر لهم الموارد والضيافة، غير أن العلاقة بدأت بالتحول لاحقاً إلى شكاوى من التهميش الاقتصادي لدارفور من قبل السلطات المركزية في الخرطوم، مما أدى إلى تفجر الصراعات حول اقتسام السلطة والثروة، وإغراق الإقليم في بحر من الحروب والنزاعات الممتدة.