الخارجية .. الرد بالقطعة !!

أشرف عبدالعزيز 

تطرح التطورات الدبلوماسية الأخيرة في الملف السوداني تساؤلات حادة حول بوصلة وزراة الخارجية السودانية ومعايير تصنيفها “للأصدقاء والأعداء”، فبينما سارعت الوزارة إلى إصدار بيان شديد اللهجة يدين اللقاء الذي جمع دولة الإمارات بمفوضية الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، غضت الطرف تماماً عن تحركات مماثلة، بل وأكثر تأثيراً، كانت الإمارات طرفاً أصيلاً فيها مع دول تعتبرها بورتسودان “حليفاً استراتيجياً”.

بيان الخارجية ركز هجومه على مفوضية الاتحاد الأفريقي، متهماً إياها بمساواة الحكومة بـ “الميليشيا” والجلوس مع دولة “داعمة للتمرد”، لكن هذا المنطق يصطدم بواقع دبلوماسي مغاير تماماً في العواصم المجاورة. ففي ذات التوقيت تقريباً، شهدت القاهرة والرياض اتصالات مكثفة، حيث أكد وزيرا خارجية مصر والسعودية على أهمية التنسيق في إطار “الآلية الرباعية” (التي تضم الإمارات)، كما أجرى وزير الخارجية المصري اتصالاً بنظيره الإماراتي لبحث سبل وقف الحرب.

هذا التباين يضع الخارجية السودانية في مأزق “الازدواجية”؛ فإذا كانت الإمارات “شريكاً في سفك الدماء” كما وصفها البيان، لماذا لم ينبس الناطق الرسمي ببنت شفة تجاه التنسيق المصري-الإماراتي أو السعودي-الإماراتي حول السودان؟

تزداد الحيرة عند النظر إلى التحرك الأمريكي الجديد؛ حيث زار مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، الإمارات وتحدث بوضوح عن أن “الرباعية” قدمت خارطة طريق مفصلة بجدول زمني لإنهاء الأزمة. الصمت السوداني المطبق حيال تصريحات بولس وزيارته لأبوظبي يشير إلى تخوف من الصدام مع الإدارة الأمريكية الجديدة، أو ربما هو اعتراف ضمني بأن اللعبة الدولية أكبر من مجرد بيانات إدانة لمفوضية أفريقية ضعيفة.

في وقت سابق، كشف وزير المالية دكتور جبريل إبراهيم عن محاولات للتفاوض المباشر مع الإمارات، مشيراً إلى أن الأخيرة هي من رفضت.

هذا التصريح يكشف أن الحكومة السودانية، في مستواها التنفيذي والمالي، تدرك ثقل الإمارات وتسعى لخطب ودها أو التوصل معها لتسوية، فبأي منطق تسعى وزارة المالية للتفاوض، بينما تمارس وزارة الخارجية “التصعيد الانتحاري”؟

إن هذا التضارب يشير إلى وجود مراكز قوى متعددة داخل السلطة في بورتسودان، تيار يرى ضرورة البراغماتية السياسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتيار “راديكالي” داخل الخارجية يبحث عن “انتصارات بيانية” لا تسمن ولا تغني من جوع على أرض الواقع.

إن سياسة “الرد بالقطعة” واستهداف أطراف دون أخرى بناءً على جغرافيا اللقاء لا تعكس استراتيجية وطنية متماسكة. رفض لقاء الإمارات مع الاتحاد الأفريقي مع الصمت عن لقاءاتها مع مصر والسعودية وأمريكا، يظهر السودان في مظهر الدولة “المعزولة” التي تخشى مواجهة الكبار وتستأسد على المنظمات الإقليمية.

الحقيقة التي تتجاهلها الخارجية أن مسار “إسكات البنادق” الذي ناقشته الإمارات في أديس أبابا، هو ذاته المسار الذي تنسق فيه القاهرة والرياض.

وبالتالي، فإن التصعيد الدبلوماسي الحالي لا يخدم سوى إطالة أمد الحرب وتعميق عزلة السودان الدولية، في وقت يحتاج فيه السودانيون إلى “واقعية سياسية” تنهي المأساة، بدلاً من بيانات “الكرامة” التي تتناقض مع التحركات السرية لطلب التفاوض.

Exit mobile version