تصعيد جوي ومعارك متداخلة تعيد كردفان والنيل الأزرق إلى واجهة الحرب

تقرير - رشا رمزي

عاد التصعيد العسكري ليخيّم من جديد على ولايات كردفان والنيل الأزرق، بعدما نفّذ سلاح الجو التابع للجيش السوداني غارات مكثفة استهدفت تجمعات لقوات الدعم السريع في منطقة جبل أبو سنون شمالي مدينة الأبيض، في خطوة عكست تحوّلاً ميدانياً أعاد المدينة إلى دائرة التوتر بعد أسابيع من الهدوء النسبي. ووفق مصادر محلية، جاءت الضربات الجوية على مواقع تبعد نحو 40 كيلومتراً عن الأبيض، بهدف تفريق الحشود ومنع أي تقدم محتمل نحو المدينة التي تمثل مركزاً حيوياً في إقليم كردفان.

وتكتسب منطقة جبل أبو سنون أهمية استراتيجية، إذ تتيح السيطرة عليها تنفيذ هجمات صاروخية أو مدفعية على الأبيض، وهو ما يفسر كثافة الغارات التي استهدفت تعطيل حركة القوات الموجودة هناك. وكانت منصات تابعة لقوات الدعم السريع قد نشرت في اليوم السابق مقاطع مصوّرة قالت إنها توثق سيطرتها على المنطقة، قبل أن يأتي القصف الجوي ليقلب المشهد ويعيد خلط الأوراق ميدانياً.

يتزامن هذا التطور مع بلوغ الحرب في السودان يومها الألف، وسط خسائر فادحة في البنية التحتية وأزمة إنسانية غير مسبوقة أدت إلى نزوح ولجوء ما يقارب 12 مليون شخص. ومع اقتراب الصراع من دخول عامه الثالث في أبريل المقبل، تتواصل التحولات الميدانية التي تزيد من تعقيد أي مساعٍ لوقف القتال أو الوصول إلى تسوية سياسية.

وفي سياق متصل، شنّ سلاح الجو غارات أخرى على مواقع في منطقة يابوس بولاية النيل الأزرق يوم الأحد 11 يناير 2026، بحسب مصدر عسكري أكد أن الضربات استهدفت مواقع وُصفت بالمعادية داخل المنطقة الحدودية، وأسفرت عن تدمير عربات قتالية وشاحنات كانت تقل عناصر مقاتلة، بعضهم وُصفوا بأنهم أجانب.

نازحي حرب السودان

وأشار المصدر إلى أن الجيش رصد خلال الأيام الماضية تحركات لقوات يقودها جوزيف تكا وأبو شوتال، تهدف إلى حشد مقاتلين لمهاجمة مناطق داخل الإقليم، ما دفع القوات المسلحة إلى رفع مستوى الجاهزية على طول الحدود مع إثيوبيا.

وتحدثت مصادر عسكرية أخرى عن نشاط لقادة من قوات الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية، مؤكدة أن عمليات تزويد هذه القوات بالعتاد العسكري مستمرة منذ عدة أشهر. وكانت القوات المسلحة قد أعلنت في يونيو الماضي استعادة مناطق في النيل الأزرق عقب انسحاب قوات الدعم السريع باتجاه مناطق قريبة من الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، بعد هجمات عسكرية أجبرتها على التراجع.

في المقابل، أعلنت الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال أن قصفاً بطائرة مسيّرة في منطقة يابوس أدى إلى مقتل 93 شخصاً وإصابة 32 آخرين. وقالت الحركة إن الهجوم وقع يوم السبت واستهدف مدنيين كانوا في طريقهم للعودة من سوق يابوس اليومي ومواقع التعدين التقليدي إلى القرى المجاورة، مشيرة إلى أن الضحايا شملوا عدداً كبيراً من النساء والأطفال. ووفق البيان، نُقل المصابون إلى مرافق صحية محدودة الإمكانات، فيما أكدت الحركة أن الوضع الإنساني في المنطقة يزداد سوءاً، وأن التحقيقات الداخلية لا تزال جارية.

ولا يختلف المشهد كثيراً في جنوب كردفان، حيث برزت مخاطر متزايدة على المدنيين مع استهداف طائرة مسيّرة لسوق قرية كرتالا في محلية هبيلا، ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة 21 آخرين. وأفادت شهادات محلية بأن الضربة وقعت في وقت ذروة النشاط داخل السوق، ما ضاعف عدد الضحايا، في ظل عجز المرافق الصحية عن تقديم الرعاية اللازمة.

وبينما تشير تقديرات محلية إلى احتمال تورط قوات الدعم السريع أو الحركة الشعبية – شمال في الهجوم، تبقى الحقيقة غامضة في ظل سيطرة القوات المسلحة على المنطقة وغياب تحقيقات مستقلة.

الجيش السوداني

وعلى جبهة أخرى، تتواصل المعارك العنيفة للسيطرة على مناطق متنازع عليها، وسط تبادل للبيانات بين الأطراف المتحاربة. فقد أعلنت قوات الدعم السريع أنها سيطرت على منطقة جرجيرة بعد مواجهات وصفتها بالشرسة، وتحدثت عن مقتل أكثر من 370 من خصومها والاستيلاء على عتاد عسكري ومركبات قتالية. في المقابل، أكدت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح أن القوات المسلحة، مدعومة بالقوة المشتركة والمقاومة الشعبية، صدت هجوماً واسعاً على جرجيرة ومحيطها، وألحقت خسائر كبيرة بقوات الدعم السريع، متهمة إياها بارتكاب عمليات قتل وخطف بحق مدنيين أسفرت عن مقتل 19 شخصاً.

وفي خضم هذا التصعيد، كشفت مصادر عسكرية من غرفة العمليات المشتركة عن اكتمال الترتيبات لانطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق تستهدف ولايات كردفان ودارفور، وُصفت بأنها الأكبر منذ اندلاع الحرب. وأوضحت المصادر أن التحركات السابقة كانت تمهيداً لرصد قدرات الخصم وتحديد نقاط ضعفه، وأن العملية الجديدة تتميز بتخطيط محكم واستعدادات تفوق ما رافق عمليات سابقة، في وقت يعاني فيه الخصم من تراجع واضح وعدم قدرة على خوض معارك طويلة الأمد.

سياسياً، حاولت الحكومة إظهار قدر من الثبات، إذ أكد رئيس الوزراء كامل إدريس أن عودته إلى الخرطوم نهائية، معلناً أن المرحلة المقبلة ستركز على تحسين معاش المواطنين وتعزيز الأمن. وأشار إلى توجه لتحويل مجلس الوزراء إلى “مجلس للمشروعات”، مع ربط تقييم أداء الوزراء بمدى تنفيذهم لخطط محددة، إلى جانب قرب تشكيل المجلس التشريعي وعودة الوزارات تدريجياً من بورتسودان إلى العاصمة. وفي وقت سابق، كان رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان قد صرح بأن السودان “أقوى مما كان عليه”، داعياً دولاً صديقة إلى إعادة تقييم مواقفها.

بين تصعيد جوي، ومعارك متشابكة، وأزمة إنسانية تتفاقم، يبدو أن مسار الحرب في السودان يتجه نحو مزيد من التعقيد، فيما تظل كلفة الصراع الأكبر واقعة على المدنيين، في انتظار أفق سياسي لا يزال بعيد المنال.

Exit mobile version