تتداعى أركان العدالة في السودان تحت وطأة قرارات تعسفية وتوجهات سياسية تهدف إلى خنق الأصوات الحرة، وتبرز قضية الناشط “منيب” كنموذج صارخ للتناقض بين الخطاب الرسمي والواقع القمعي. فبينما يتحدث رئيس مجلس السيادة عن قيم الثورة، نجد أن منيب الذي خرج وحيداً لإحياء ذكرى ثورة ديسمبر بالولاية الشمالية، هاتفا بسلمية ومنادياً بحل الدعم السريع (الجنجويد ينحل)، يقبع الآن خلف القضبان.
إن اعتقال منيب ليس مجرد إجراء أمني، بل هو رسالة ترهيب لكل من يحمل إرث ديسمبر، ومفارقة عجيبة تضع السلطة في مواجهة مباشرة مع شعاراتها؛ فكيف يُعتقل من ينادي بذات الأهداف التي يقاتل من أجلها الثوار الآن جنباً إلى جنب مع الجيش؟
هذا القمع الميداني يتوازى مع “مذبحة قانونية” استهدفت 31 محامياً من أبرز المدافعين عن الحقوق والحريات.
إن قرار إيقاف هؤلاء المحامين، الصادر عن جهة تفتقر للمشروعية القانونية والمهنية، يمثل عملية “تجريف ممنهجة” للساحة العدلية. الهدف من هذه الخطوة يتجاوز مجرد تعطيل العمل النقابي، ليصل إلى محاولة وأد العدالة الانتقالية ومنع فتح ملفات الانتهاكات الجسيمة، بدءاً من جرائم النظام البائد وصولاً إلى أحداث فض الاعتصام وما تلا انقلاب أكتوبر.
إن استهداف المحامين والحقوقيين هو محاولة واضحة من قبل عناصر النظام السابق وحلفائهم داخل أجهزة الدولة لإعادة صياغة المشهد القضائي بما يضمن لهم الإفلات من العقاب.
فإبعاد الأصوات الحقوقية المستقلة يعني حرمان الضحايا من لسانهم المدافع وتوثيقهم الأمين للانتهاكات. إن هذا النهج الذي تتبعه سلطة بورتسودان في السيطرة على القضاء وتعيين الموالين وتقييد المحامين بسحب تراخيصهم، يؤدي بالضرورة إلى انهيار المنظومة العدلية وتحويلها إلى أداة تصفية حسابات سياسية.
إن المطالبة بإطلاق سراح منيب ليست مجرد نداء لإخلاء سبيل فرد، بل هي تمسك بجوهر ثورة ديسمبر ورفض لعودة الدولة البوليسية بوجوه قديمة. كما أن التضامن مع المحامين الموقوفين هو ذود عن آخر حصون الحقوق في السودان. إن استمرار هذه الانتهاكات يضع البلاد أمام مأزق تاريخي، حيث لا يمكن بناء دولة مستقرة على أنقاض العدالة المجرفة. إن العدالة لا تتجزأ، والمساس بحق المحامي في الدفاع أو حق المتظاهر في التعبير هو تقويض لمستقبل السودان الديمقراطي.