شرق السودان : تعدد الجيوش ومخاطر “الولاء المفتت”

أشرف عبدالعزيز

يمثل إعلان التحالف الخماسي الجديد في شرق السودان حلقة جديدة في مسلسل تعقيد المشهد الأمني والسياسي في البلاد، فرغم أن هذا الاصطفاف يضع نفسه في خندق “الدفاع عن الإقليم” ومساندة الدولة، إلا أن القراءة العميقة لما وراء الميثاق تكشف عن بذور صراع نفوذ مؤجل وصناعة لمراكز قوى عسكرية لا تخضع لسيطرة مركزية واحدة.

إن هذا التحالف، الذي يضم “مؤتمر البجا، وتحرير شرق السودان، والحركة الوطنية، والجبهة الوطنية، والأسود الحرة”، لا يمثل مجرد إضافة عددية للقوى المساندة للجيش، بل هو خلق لكيان موازٍ للتحالف الذي يقوده الناظر “ترك” والأمين داؤود، مما يعني أن الشرق السوداني بات منقسماً بين “كتلتين مسلحتين” كلاهما يدعي الولاء للجيش، وهو ما يعقد مهمة القيادة العسكرية في توحيد قرار الحرب والسلام في الإقليم.

تكمن الخطورة الكبرى في “عسكرة السياسة” عبر الاعتماد على دول الجوار، فتخريج دفعات قتالية داخل الأراضي الإريترية وبدعم لوجستي من “أسمرا” يمنح هذه الحركات استقلالية في التمويل والتدريب، ويحولها من حركات مطلبية إلى “جيوش حدودية” ذات ارتباطات إقليمية، وهذا النوع من الولاء العابر للحدود قد يجعل من شرق السودان ساحة لتجاذبات المحاور، حيث يمكن استخدام هذه القوات كورقة ضغط في أي مساومات سياسية مستقبلية.

كما أن التباين في المواقف تجاه الانخراط الفعلي في الحرب الحالية، بين “ممانعة” فصيلي موسى محمد أحمد وإبراهيم دنيا و”المساندة الصريحة” لبقية الحركات، يشير إلى أن هذا التحالف قد يواجه تصدعات داخلية إذا ما اشتدت وطأة الضغوط الميدانية، أو إذا طُلب منها الانخراط في معارك خارج حدود الإقليم.

في نهاية المطاف، فإن تكاثر التحالفات العسكرية الموالية للجيش في منطقة استراتيجية مثل شرق السودان يؤسس لظاهرة “أمراء الحرب المحليين”، حيث يصبح السلاح هو الأداة الوحيدة لانتزاع الحقوق السياسية والتنموية.

إن تعدد هذه الجيوش، حتى وإن كانت صديقة، يضعف هيبة المؤسسة العسكرية الرسمية ويجعل من عملية “دمج الجيوش” أو نزع السلاح في المستقبل معضلة شبه مستحيلة، إذ سيتحصن كل فصيل خلف حاضنته القبلية وميثاقه الخاص، مما يفتح الباب أمام احتمالات الصدام البيني على الموارد والنفوذ، وهو ما يعقد المشهد السوداني المنهك أصلاً بصراعات المركز الأطراف.

Exit mobile version