غابة السنط … رئة الخرطوم الطبيعية تخنقها التعديات والتجريف الجائر

مشاوير - وكالات

تواجه غابة السنط، إحدى أعرق المساحات الخضراء في العاصمة السودانية الخرطوم، خطر الفناء نتيجة التعديات على أشجارها بالقطع والاحتطاب من دون أدنى مراعاة لأهميتها البيئية والعلمية والثقافية، وكذلك وضعيتها الخاصة كمصدر للتنوع الحيوي، مما يهدد استقرار المناخ والصحة العامة.

تكتسب غابة السنط أهمية خاصة نظراً إلى نوعية الأشجار ذات الميزة البيئية العالية والقدرة الفائقة على التأقلم والتكيف مع كل المناخات والبيئات، وتحتل كغابة حضرية عريقة ومحمية بواسطة قانون الحياة البرية موقعاً جغرافياً مميزاً ونادراً عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق في منطقة المقرن، مما يكسبها مناظر طبيعية وخضرة أخاذة لافتة، وقد أهَّلها كل ذلك إلى صفة العالمية على مستوى معايير منظمة “يونيسكو”.

حملات الشرطة

استغل عدد من سكان ولاية الخرطوم وبعض المجموعات المسلحة انشغال السلطات بالحرب، وشرعوا في القطع العشوائي لأشجار غابة السنط من دون تفرقة بين يابسها وأخضرها لاستخدامها كوقود للطهي وإعداد الوجبات، بخاصة في ظل أزمة غاز الطهي، علاوة على جمع الأخشاب وبيعها في الأسواق، وكذلك رواج تجارة الفحم النباتي المربحة.

إلى ذلك نفذت الإدارة العامة للمباحث الجنائية المركزية عبر إدارة حماية البيئة التابعة لدائرة التحقيقات الجنائية السودانية، حملة كبرى لحماية غابة السنط من الأنشطة السلبية، المتمثلة في الحرق والإتلاف والقطع الجائر الذي تعرضت له الغابة خلال الفترة الماضية.

وذكر المكتب الإعلامي للشرطة السودانية في بيان أن “البعض عمد على قطع ونقل الأخشاب بغرض الاتجار غير القانوني، مما يشكل تعدياً وانتهاكاً للقوانين المحلية والدولية”.

ولفت إلى أن نتائج الحملة أسفرت عن ضبط 41 متهماً وشاحنتي شاحنة دفار، وكذلك 2 عربة كارو و30 فأس قطع، واتخذت إجراءات قانونية في مواجهة المتورطين”.

في حين قال مدير الإدارة العامة للمباحث الجنائية المركزية اللواء شرطة سامي الصديق دفع الله إن “جهود إدارته في مكافحة وكشف الجريمة متواصلة، إلى جانب استمرار الحملات المنتظمة التي تستهدف المعتدين على غابة السنط من أجل حمايتها باعتبارها محمية طبيعية بموجب القوانين، وتمثل نظاماً بيئياً متكاملاً يسهم في توازن المناخ، وهي أحد المزارات السياسية في البلاد”.

غابة السنط

رؤية متكاملة

منذ عام 1939 اعتبرت غابة السنط محمية وجرى حجزها ومنع المساس بها بأمر من الحاكم العام الإنجليزي آنذاك تقديراً لأهميتها البيئية والسياحية.

وفي هذا الصدد وصف المدير العام السابق للهيئة القومية للغابات في السودان عبدالعظيم ميرغني غابة السنط بالرئة الحضرية للعاصمة، وركيزة من ركائز التوازن المناخي، وكذلك ذاكرة بيئية وثقافية للخرطوم، كما يمكن أن تصبح مستقبلاً مدرسة بيئية مفتوحة حال أحسن استثمارها. وأشار إلى أن “المطلوب اليوم ليس فرض القانون عبر المداهمات، إذ يجب تفعيل رؤية متكاملة لتأهيل الغابة وتطويرها لكي تدار عبر شراكة بين الجهات الفنية والأمنية والتخطيطية والمجتمعات المحلية حتى لا تظل ضحية دائمة للتهميش والإهمال والتعدي”.

ونوه ميرغني بأن حماية غابة السنط تتطلب سياسات مستدامة تقوم على رؤية شاملة تدمج ما بين الحماية البيئية والتطوير الحضري المسؤول والإدارة الفنية المؤسساتية.

وأشاد المدير العام السابق للهيئة القومية للغابات بجهود الإدارة العامة للمباحث الجنائية المركزية لحماية الغابة من التعديات المتكررة.

مهددات وأخطار

على الصعيد نفسه حذر المتخصص في مجال البيئة والتنمية الحضرية التاج عابدين من “اختلالات بيئية كبيرة تنتظر الخرطوم في حال تدهور وضع الغابة بالنظر إلى الأخطار التي تتعرض لها، والتي قد تصل إلى درجة فقدانها بالكامل”.

واعتبر عابدين “خسارة غابة السنط لمعظم أنواع الطيور المحلقة المهاجرة التي تتخذ هذه المحطة معبراً لها في هجرتها ومساراتها عبر البحر الأحمر أو نهر النيل بصورة غريزية، فقداناً لمكون بيئي أساس بمجال التنوع الحيوي في السودان”.

وناشد المتخصص في مجال البيئة والتنمية الحضرية المنظمات العالمية والمجتمع الدولي التدخل لإنقاذ الغابة، مطالباً “بتخصيص برنامج دولي لحمايتها وإعادة تأهيلها”.

غابة السنط

أهمية تعليمية

على نحو متصل أوضح المتخصص في أبحاث الحياة البرية الريح بابكر أن “غابة السنط تمثل مأوى لعدد كبير من الطيور المهاجرة والنادرة من كل أنحاء العالم، إذ تلوذ بها مجموعات عابرة للقارات كاستراحة “ترانزيت”، وهي في طريقها من وإلى آسيا وأوروبا وعدد من الدول الأفريقية، ومن ثم “فإن التعديات المتكررة تهدد بتدمير الغابة التي تحتضن أكثر من 930 طائراً مهاجراً”.

ونوه بأن “الغابة تسهم في امتصاص الغازات التي تنبعث من المصانع وعوادم السيارات والمنشآت الصناعية في ولاية الخرطوم، بالتالي فإن التعديات على أشجارها بصورة ممنهجة تثير المخاوف من كارثة بيئية مستقبلية تهدد استقرار المناخ المحلي والصحة العامة”.

وأشار بابكر إلى أن “الغابة تكتسب أهمية تعليمية للمهتمين والعلماء وطلاب الجامعات، وقد أنشئت فيها مدرسة خبراء الغابات عام 1946، لتدريب الكوادر من الخبراء والملاحظين على تقنيات وإدارة وزراعة الغابات، وخرجت هذه المدرسة الرعيل الأول من فني الغابات الذين كان لهم الدور الأكبر في زراعة الغابات في مناطق السودان كافة من جبال وهضاب وأودية وسهول وصحارى”.

تنوع حيوي

تعد غابة السنط جزءاً من المنظومة النيلية في ولاية الخرطوم، وتحوي سلالات نادرة من أشجار السنط وبعض الأشجار الأخرى، وتضم حديقة نباتية مرجعية.

ويهتم مجلس الطيور العالمي ومركز بحوث الحياة البرية وكليات الموارد الطبيعية في الجامعات السودانية بدراسة ورصد حركة الطيور المهاجرة والمستوطنة بهذه الغابة نظراً إلى الأعداد الهائلة من الطيور التي ترتادها.

وتشتهر شجرة السنط كأحد النباتات المعروفة منذ آلاف السنين، وتعرف بأسماء عدة أهمها “الطلح” و”القرض” والـ”أكاسيا” و”أم غيلا”، وهي تنمو بصورة خاصة في المناطق الاستوائية من قارات أفريقيا وآسيا وأستراليا، وتضم ما يقارب 1300 نوع، ولها عديد من الفوائد بالنسبة إلى الإنسان.

ويستخرج من السنط الصمغ الذي يدخل في صناعة دباغة الجلود وغذاء الحيوانات وصناعة بعض مواد التجميل والألوان، وتستعمل أخشابها للزخرفة والزينة.

غابة السنط
Exit mobile version