أمير تاج السر.. سيرة تشكّلت على مهلٍ وأيقونة تشعُّ بهدوءٍ

الدوحة - مشاوير: مجدي علي

مُثيرةٌ سيرةُ هذا الرجل ومسيرته، لأنها حتمًا تستحقّ الوقوف، ويقينًا أيضًا أنها تستحقّ الاحتفاءَ والتوثيقَ..

سيرةٌ زاهيةٌ لكنها متقلّبةٌ، يشوبها التأنّي حينًا، ثم القلقُ وتداخلُ المناخات حينًا آخر؛ سيرةٌ لا تُروى دفعةً واحدةً، بل تتكشّف طبقةً بعد أخرى، كما تتكشّف الشخصيات في رواياته.. تميزه لغةٌ شعريةٌ فاخرة، وقوةُ سردٍ يغوص في أعماق الذات الإنسانية ويكتشف عوالمها، برؤيةٍ ثاقبةٍ تسبر أغوار التاريخ والأساطير. وها أنا أبحث الآن عن أطرافها لعلّي أدلّكم على وميضٍ من نورها المشعّ..

سيرةٌ تتشكّل على مهلٍ

لم يكن أمير تاج السر ابنَ مكانٍ واحدٍ، أو زمانٍ واحدٍ، بل ابنَ حركةٍ دائمةٍ، انتقالٍ زمانيٍّ وجغرافيٍّ ووجدانيٍّ صاغ حساسيته السردية ووسّع أفقه الإنساني. من شمال السودان، حيث القرى المفتوحة على النيل والذاكرة، إلى القاهرة، صدمةِ المدينة الكبرى واحتكاكها الثقافي، وصولًا إلى الدوحة حيث الاستقرار الظاهري والقلق الخلّاق، ظلّ يتحرّك، وكأن الكتابة لا تأتيه إلا وهو في حالةِ عبورٍ. هذه التنقّلات لم تكن تفاصيلَ في سيرته، بل عناصرَ تأسيسيةً في مشروعه الروائي. كما قال ذاتَ مرةٍ: “كلُّ مكانٍ أعيش فيه يترك بصمته في كتاباتي، حتى الصمتُ يصبح مادّةً للكتابة”.

وفي هذه الرحلة الإبداعية الممتدّة منذ نهاية الثمانينيات، والتي بدأها بكتابة الشعر وإصدار دواوين وأغاني بالعامية السودانية، إلى كتابة الشعر بالفصحى، أنتج أمير تاج السر أكثر من عشرين عملاً أدبيًا تشمل الروايةَ والشعرَ والسيرةَ والكتاباتِ النقدية، تُرجمت بعضها وحازت بعضها الجوائز، فوضعه إنتاجه في مصافّ الكتّاب العرب ذوي الانتشار الأوسع عبر الثقافات.. لكننّا لا نعرف!

في (كرمكول) قريةِ قريبه الطيب صالح الذي كثيرًا ما شبهوه به، وُلد أمير عام 1960، وتشكّلت البذرةُ الأولى للحكاية. هناك تعلّم الإصغاء، واكتشف أن الحياة الريفية ليست بسيطةً كما تبدو، بل ممتلئةٌ بالطبقات والقصص غير المكتوبة. كان يجلس طويلًا تحت ظلال النخيل، يستمع لأهله الكبار وهم يروون الحكايات، ثم يعود إلى دفاتره الصغيرة ويسجّل كلَّ شيءٍ. يقول: “القصص كانت تتسرّب إليّ من كلّ زاويةٍ.. صوتُ الرياح، خريرُ النيل، خطواتُ الجيران. كنتُ أحسّ أن كلَّ شيءٍ له قصةٌ تنتظر من يرويها”.

لاحقًا، حين درس الطبّ في جامعة طنطا بمصر، عاش سنواتٍ كثيفةً ومختلفةً ثقافيًا، التقى خلالها أسماءً كبيرةً في الأدب المصري، وتأثّر بالمشهد الثقافي، قبل أن يعود إلى السودان طبيبًا متنقّلًا بين مناطق الهامش والحدود، وكتب أعمق قصصه (سيرةً الوجع) حين واجه الإنسان في أكثر لحظاته قسوةً. كما قال: “كنتُ أرى في المرضى قصصًا لم تُحكَ، ومواقفَ كانت كافيةً لروايةِ روايةٍ كاملةٍ عن الإنسان”.

ثم جاءت الدوحة، منذ ما يقارب العشرين عامًا، ورغم طول الرحلة، لكنها ظلّت عنده محطةَ استقرارٍ نسبيٍّ، ولم تكن نهايةَ الرحلة، بل مرحلةً جديدةً من التعمّق، فقد جاءته جيوش الكتابة من جديد. وهناك، بين العيادة والبيت، تبلورت رواياتُه الأكثرُ نضجًا، وازدادت أسئلتُه اتّساعًا. فالكتابة عنده “رحلةٌ مثل السفر، أحيانًا تحتاج إلى الوقوف والتأمّل، وأحيانًا إلى الحركة المستمرة”.

إحدى رواياته

مهنة الجسد وسرد الإنسان

حين تتأمّله في عيادته الصغيرة بمستشفى الوكرة في الدوحة، يجلس الدكتور أمير تاج السر، طبيبُ الأمراض الباطنية، وأديبُ السودان المعاصر، بين مرضاه طبيبًا حاذقًا طويلَ البال. هنا في العيادة لا تنتهي القصة عند التشخيص، بل تبدأ.. فهو يحب الطب، ويعبّر عن حبّه له بالقول إن “الطب علّمني الصبرَ والملاحظةَ الدقيقة. كلُّ مريضٍ هو قصةٌ، وكلُّ تفاعلٍ معه يضيف شيئًا جديدًا لرؤيتي للإنسان”.

هذا التداخل بين الطبّ والكتابة ليس ترفًا، بل جوهرُ مشروعه. فهو يرى أن العناية بالجسد تقوده، بالضرورة، إلى التفكير في هشاشة الروح، وأن الكتابة امتدادٌ أخلاقيٌّ لمهنته الطبية. لذلك لم يتخلَّ عن واحدةٍ لصالح الأخرى، بل آثر أن يعيش التوتّر بينهما بوصفه طاقةً خلّاقةً.

من القرية إلى الغرائبية والسياسة

إذا تتبّعنا تطوّر عوالم أمير تاج السر الروائي، فإن مقارنةَ أعماله تكشف عن تحوّلاتٍ لافتةٍ في الرؤية والأسلوب. في روايته الأولى (كرمكول) (1988)، كتب عن القرية وطفولته، حيث لم تكن القرية مجرّدَ خلفيةٍ، بل بطلًا سرديًّا قائمًا بذاته، يحكي عن الناس والحقول والأنهار، وعن مزيجٍ من البراءة والمعرفة التي كانت تغمره وهو طفلٌ، كما يقول: “القرية لم تكن مجرّدَ مكانٍ، بل عينًا على العالم، ومرآةً لكلّ ما هو إنساني”.

بعدها جاءت (مهر الصياح) (1991)، حيث اتّجه إلى سبر أغوار التاريخ والغرائبية بوصفها وجهًا آخرَ للواقع، حيث يصبح الصراخ رمزًا للاحتجاج الوجودي. أمّا في (زهور تأكلها النار) (1995)، فقد تعمّق في صراعات الإنسان مع السلطة والتاريخ، واهتمّ بالكشف عن التفاصيل الخفيّة للحياة السياسية والاجتماعية في السودان. كما عبّر: “أردتُ أن أكتب عن السودان بطريقةٍ تكشف ما وراء الأحداث، عن الناس الذين يعيشونها، عن وجوههم وقلوبهم.. الإنسانُ دائمًا في مواجهة الآخر، والكتابةُ تمنحه الفرصةَ ليفهم هذه المواجهة ويعيد تشكيلها في نصّ”. وقد أوفى الرجل وعده، ففي رواياتٍ مثل (زحف النمل) و(توترات القبطي)، يبرز القلقُ الاجتماعي والديني، وتتبلور أسئلةُ الهوية والتعايش في سياق الصراعات المجتمعية، فيما تتّجه روايته (العطر الفرنسي) إلى استكشاف الهجرة والتصادم الثقافي، مسلّطةً الضوء على هشاشة الفرد في مواجهة الآخر المختلف. وفي رواية (شمشون وتفاحة) يكتب بلسان المرأة في المجتمع السوداني المعاصر، ويتناول قضايا الحرية الشخصية، الصراع مع الأعراف الاجتماعية، والبحث عن الهوية الذاتية.

أمّا المفارقةُ الكبرى في أعماله فتتجسّد في (صائد اليرقات) (1999)، حيث تتقاطع السخريةُ السوداء مع السلطة والخوف، وقد وُصفت بأنها إحدى الروايات التي وضعت أمير تاج السر على الخريطة العربية، إذ وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر). وفي وصفها يقول: “هذه الروايةُ هي محاولةٌ لفهم قوّة الخوف وكيف يتحكّم في البشر، وكيف يمكن للفكاهة أن تكون سلاحًا ضدّ الظلم”.

وفي أعمالٍ لاحقةٍ مثل (إيبولا 76) و(غضب وكنداكات) و(حراس الحزن)، تتكثّف السياسةُ والتاريخُ والمرضُ بوصفها استعاراتٍ كبرى لحالة الإنسان العربي والإفريقي المعاصر، ضمن مشروعٍ إنتاجيٍّ غزيرٍ ومستمرّ. كما يقول: “كلُّ عملٍ أكتبه هو اختبارٌ للغة، للذاكرة، وللطاقة الإنسانية. الكتابةُ عندي رحلةٌ مستمرّةٌ، لا تتوقّف عند روايةٍ واحدة”.

بهذا التطوّر تبرز رواياته كعوالمَ متعدّدةِ الأبعاد، تمتزج فيها الواقعيةُ بالغرائبية، والشخصيُّ بالسياسي، لتشكّل لوحةً شاملةً عن الإنسان والمجتمع، عن السودان والعالم، عن الألم والضحك والبحث عن معنى الحياة، مؤكِّدةً غزارةَ إنتاجه وعمقَه الثقافي، فكلُّ عملٍ يكتبه هو محاولةٌ لاختبار حدوده الإنسانية، ليعرف إلى أيّ مدى يمكن أن يقترب من قلب الناس.

إحدى رواياته

الوطن حاضرٌ كقضيّة

رغم أن أمير تاج السر يقيم منذ سنواتٍ طويلةٍ خارج السودان، إلا أن قلبه وكتبه ما زالا مشحونين بالهمّ الوطني، وهو يتابع أخبار وطنه عن كثبٍ، ويتفاعل معها أدبيًّا وإنسانيًّا. في أكثر من حوارٍ، عبّر عن شعوره العميق تجاه الحروب والنزاعات التي عصفت بالبلاد، حين أكّد أن “الحربَ لا تصنع أبطالًا، لكنها تكشف وجوهًا وأرواحًا، بعضُها ينهار، وبعضُها يقاوم بصمت. الكتابةُ بالنسبة لي محاولةٌ لتوثيق هذا الألم وفهمه”.

لقد انعكست هذه الرؤية في رواياته، حيث تتقاطع السياسةُ بالصراع الإنساني، ويصبح النصُّ الروائي مرآةً للواقع الوطني. في أعمالٍ مثل (توترات القبطي) و(حراس الحزن)، يظهر أثرُ الحروب والصراعات الاجتماعية والدينية ويتجلّى بوضوح، لكن قلمه لا يقف عند التشخيص السلبي، بل يبحث عن لحظات الإنسانية وسط الخراب، ويعطي مساحةً للشخصيات لتجاوز الألم بالوعي أو بالذكاء أو بالمقاومة الرمزية.. كيف لا، وهو الذي يؤمن بأن الروائي ليس مجرّدَ ناقلٍ للأحداث، بل قارئٌ لما خلفها من وجوهٍ وقلوب، لذلك فهو يكتب ليفهم ما يحدث، وليحمي الذاكرة من النسيان، وليمنح القارئ مساحةً للتأمّل والوعي.

هكذا، في سيرة أمير تاج السر، ينهض الموقفُ الوطني حاضرًا كجزءٍ أصيلٍ من مشروعه الإنساني، يجمع بين النقد والحنين، وبين التوثيق والتأمّل، ويجعل من الكتابة فعلًا مقاومًا للتفاهة والتخلّي، ووسيلةً لفهم الوطن والحياة.

روحٌ وثّابةٌ لا تعرف الانقطاع

في زمنِ التخلّي عن المعنى، في زمنِ السطحية واللا معنى، لا يتعامل أمير تاج السر مع الكتابة كحدثٍ استثنائي. وهو حين يؤكّد أن “الكتابةَ بالنسبة لي ليست طقسًا احتفاليًا، بل عادةً يوميةً، مثل التنفّس، إذا توقّفتُ عنها أشعر أن جزءًا منّي قد غاب”، فإن هذه الجملة ليست توصيفًا عابرًا لرؤية كاتب، بل مفتاحًا لفهم روحه الوثّابة. فهو يكتب باستمرار، ولا يتوقف عن إصدار الكتب، لا بدافع السباق، بل لأن الحكايات، كما يقول، لا تنتظر. فالكتابةُ عنده فعلُ حياةٍ، لا مهنةً، ومقاومةٌ صامتةٌ للنسيان، لكأنّه يعلن أن غيابه عن الكتابة، ولو يومًا واحدًا، يعني أن جزءًا من العالم سيختفي.

إحدى رواياته

حضورٌ عربيٌّ وعالميّ

نالت أعمالُ د.أمير تاج السر اهتمامًا نقديًّا واسعًا، وتُرجمت رواياته إلى لغاتٍ عدّة، منها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والفارسية والصينية، ممّا عزّز حضور النصّ السوداني والعربي عالميًّا. وقد ترشّحت (صائد اليرقات) للبوكر العربية عام 2011، ووصلت (زهور تأكلها النار) إلى القائمة القصيرة عام 2018، فيما حصلت (366) على جائزة كتارا للرواية العربية عام 2015. هذا الإنتاجُ الكبير تجلّى في معارض الكتب والمهرجانات العربية والدولية، من القاهرة إلى الدوحة. لكنه في أكثر من مناسبة يؤكّد أن الجائزة الحقيقية هي وصول النصّ إلى القارئ، وإثارة النقاش حوله، لا التتويج الرسمي وحده.

أيقونةٌ تكتب بهدوءٍ

نحن إذًا لسنا أمام كاتبٍ مجيدٍ فحسب، بل أمام مشروعٍ إنسانيٍّ متكامل، وقامةٍ سرديةٍ لها حضورُها في الذاكرة الأدبية العربية والعالمية. د.أمير تاج السر هو الطبيبُ الذي يداوي الجسد، والروائيُّ الذي يرمّم الذاكرة، وتارةً الشاعرُ الذي لم يغادر لغته. وربما أن زهدَنا نحن في الاحتفاء برموزنا، أو زهده هو في إعلان عظمته، هما ما أخفيا ملامح الصورة، غير أن المؤكّد أن أمثاله في أماكنَ وأزمنةٍ أخرى كانوا قد برزوا كأيقوناتٍ حقيقيةٍ، ورموزٍ.

حقًّا.. إنها سيرةُ إنسانٍ وروائيٍّ عظيمٍ، مسيرةٌ ثريّةٌ تستحقّ الوقوفَ، وتسليطَ المزيد من الأضواء.

إحدى رواياته
Exit mobile version