صحافة السودان .. اغتيال الحقيقة في زمن الحرب!!

أشرف عبد العزيز 

يعكس تقرير نقابة الصحفيين السودانيين لعام 2025 تحولاً دراماتيكياً ومأساوياً في مشهد الحريات الصحفية، حيث لم تعد الانتهاكات مجرد حوادث عرضية تفرضها ظروف الحرب، بل تطورت إلى استهداف “منهجي” ومنظم يسعى بوضوح إلى اغتيال الحقيقة وتغييب وعي المجتمع بما يدور على الأرض. إن رصد 67 انتهاكاً مباشراً، بينها مقتل 14 صحفياً في عام واحد، يضعنا أمام واقع هو الأخطر في تاريخ الصحافة السودانية الحديث، حيث انهارت تماماً منظومة حماية المدنيين وحلّت مكانها سياسات الإفلات من العقاب.

وتبرز مدينة الفاشر كشاهد حي على هذا الواقع المظلم، حيث تحولت إلى “بؤرة للخطر الأكبر” نتيجة القصف والحصار وانقطاع الاتصالات، مما جعل عملية التوثيق بحد ذاتها ضرباً من المغامرة بالحياة، كما يتجلى ذلك في الغموض الذي يكتنف مصير الصحفيين المختفين في خضم العمليات العسكرية. إن هذا التصعيد النوعي، الذي شمل القتل تحت التعذيب والإخفاء القسري والاعتقالات التعسفية الطويلة، يشير إلى أن جميع أطراف النزاع والجهات الأمنية باتت تنظر إلى الكلمة المستقلة باعتبارها تهديداً وجودياً يجب إخراسه.

المثير للقلق في هذا المشهد هو تعدد أدوات القمع، فإلى جانب الرصاص والزنازين، يتم توظيف “القانون” كأداة لإسكات الصحفيين عبر توجيه تهم أمنية وسياسية خطيرة، تهدف إلى تجريم العمل الصحفي الرافض للحرب والداعي للانتقال الديمقراطي. ولا يقتصر هذا التهديد على الداخل السوداني فحسب، بل رصد التقرير “انتهاكات عابرة للحدود” تلاحق الصحفيين في منافيهم، مما يؤكد أن غياب الحماية أصبح قدراً يطارد الصحفي السوداني أينما حل، خاصة مع تصاعد خطاب الكراهية والتحريض الممنهج الذي يسبغ صفات “العمالة” على كل من يسعى لنقل الواقع.

يضع هذا التقرير المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية أمام مسؤولية تاريخية، فالصمت حيال ما يواجهه الصحفيون السودانيون من استهداف مباشر ومركب، خاصة ما يطال الصحفيات، هو ضوء أخضر لاستمرار نهج القمع.

إن المطالبة بالإفراج عن المعتقلين والكشف عن المختفين وتوفير حماية حقيقية للصحفيين ليست مجرد مطالب نقابية، بل هي ضرورة قصوى لضمان عدم اندثار الحق في المعرفة، وهو الحق الذي بدونه تتبخر فرص السلام والعدالة الاجتماعية في السودان.

Exit mobile version