الطيب صالح : تعظيم إبداعي وتساؤلات (3/1) 

صلاح شعيب 

سيمر وقت ليس بالقصير، بعد وفاة الطيب صالح، لكي يجد مبدع سوداني حظا من إحتفاء محلي وأقليمي وعالمي، كما وجده صاحب “موسم الهجرة إلى الشمال” والتي هي، على كل حال، بستان القراءة المخضر الذي وجد فيه معظم من عرفوا أدب الراحل ملاذا للاستمتاع به أكثر من بساتين أخرى حرثها قبل ما يقارب الثلاثة عقود.

والغريب أنه برغم قلة روايات المبدع الراحل بالمقارنة مع مجايليه المصريين، على الأقل، إلا أن رواياته، التي أخذت الشهرة وعرفت به كعبقري للرواية العربية، لم تصدر في النصف الثاني من السبعينات أو الثمانينات أو التسعينات من القرن الماضي أو في مطلع الألفية الجديدة، وإنما مثلت أعماله قمة إنتاج الستينات الأدبية، وهي الفترة التي لا تزال منجزاتها على مستوى الأدب والغناء السودانيين محكا للتجاوز من قبل الأجيال المتعاقبة.

ليس ذلك فحسب فمرحلة الستينات، وما قبلها، أفرزت، على نطاق الوطن العربي، رموزا في مجال الثقافة والأبداع ولا يزال تأثيرها إلى الآن ملاحظا بكثافة على مستوى الدراسات والاهتمامات بالنسبة للنقاد حتى من الأجيال الجديدة، بل ويصعب لهذه الأجيال التي جاءت بعد الجيل الذي بدأت أزاهيره تتفتح في الستينات أن تشكل حضورها المختلف والمستمر على الحقل الإبداعي من دون التعرف والإستناد على تنمية الثيمات الإبداعية التي أنجزها جيل الطيب صالح، وهو الذي سوق إبداعه في الربع الثاني من القرن الماضي وينافس لتأكيد حضوره إلى الآن، سواء من خلال أعمال المبدعين الأموات أو الأحياء. وبرغم أن

لا ينوي المرء هنا سكب الدمع الحرى على فقدان شخصية مهمة لبلادنا مثل الأديب الطيب صالح.

فالشاهد أن هناك الكثير من هذا الدمع الصادق الذي بلل الصحف. مثلما أن النية ليست أيضا لتعداد مآثر الراحل الفنية والإنسانية، وذلك فعل وثقه النقاد المعنيون بالأمر، ومعلوم مواقعه في أرشيف الصحف والمجلات والكتب ومنابر الانترنت، ولكن تأتي النية للقول إنه ينبغي النظر إلى الأفكار التي تسهم في تخليد الإسم الكبير للراحل ليكون ذلك تكريما له جزاء ً لما قدمه للثقافة السودانية، فالطيب صالح لم يكن روائيا فحسب، وإنما كانت مواضيع كتاباته وحواراته والندوات التي شارك فيها تمثل محطا ثقافيا متمايزا، تمتع فيه الكثيرون، وتألق به نجما، وتشرفنا عبره وسط العالمين.

إن العلاقة بين الدولة التي أنتمى لها الطيب صالح وكثير من رموزها الثقافيين تخصيصا ظلت متأرجحة منذ أمد بعيد، وبرغم أن الحديث عن الدولة، من الوهلة الأولى، يفترض عند البعض وضعا لا يتحكم فيه المثقفون، فإن الشاهد أن هذه الدولة التي لم تراع لخصوصية المبدع السوداني ــ إهتماما بذاته وبمنتجعاته الثقافية ــ إنما هي من صنيع المثقفين أنفسهم سواء كانوا سدنة شمولية أم ديمقراطية. ومن هنا يبقى عجز الدولة عن تكريم الطيب صالح وزملاء له من الراحلين، وعدم بذلها الغالي والنفيس لصالح إزدهار محافل إبداعية، وإهمالها تخليد ذكراهم هو عجز المثقف عن العناء بالآخر منه.

Exit mobile version