ثورة ديسمبر في ميزان الحرب!!

أشرف عبد العزيز

في ذكرى ثورة ديسمبر 2019، عاد السودانيون بذاكرتهم إلى تلك اللحظة الفارقة التي وحدت الوجدان وكسرت قيود الاستبداد، لكن هذه المرة تحت وطأة حرب وجودية فرضت واقعاً مأساوياً ومختلفاً.

إن ما نشهده اليوم من عودة لافتة للشباب إلى المواكب في بعض المناطق، ليس مجرد استحضار للماضي، بل هو تأكيد على أن جذور ديسمبر لا تزال حية رغم محاولات الاقتلاع. لقد تحولت لجان المقاومة وغرف الطوارئ من أدوات للتغيير السياسي إلى صمامات أمان مجتمعية، حيث يقف شباب الثورة اليوم في مقدمة الصفوف ليس للهتاف فحسب، بل لإطعام الجائع وإيواء النازح وضمان استمرار الحياة في أحياء السودان التي مزقتها القذائف، مقدمين أروع نماذج التضحية في الدفاع عن الإنسان والكيان الوطني.

على الجانب الآخر من المشهد، تبرز مجهودات الدكتور عبد الله حمدوك وفريقه ضمن “صمود” كواجهة مدنية تسعى بجهد دؤوب لكسر دائرة العنف عبر القنوات الدبلوماسية والسياسية. إن تحركات حمدوك الدولية لفتح مسارات للسلام والإغاثة تعبر عن الرغبة في استعادة الدولة السودانية من براثن الفوضى، وهي محاولات تستحق التقدير كونها تسعى لتقديم بديل مدني في زمن طغت فيه لغة الرصاص.

إن نجاح القوى المدنية في المرحلة القادمة يعتمد بشكل كلي على التركيز على بناء جبهة وطنية عريضة تضم القوى الحية خلف شعار “بقاء الدولة أولاً”. النصيحة الجوهرية لهذه القوى هي الانتقال من “ترف الشعارات” إلى الواقعية فالشارع السوداني الذي دعم ديسمبر يتطلع اليوم إلى قيادة مدنية تلمس جراحه وتوفر له الأمان والسيادة، قيادة تترفع عن المحاصصة الحزبية الضيقة وتمد يدها للحوار الشامل الذي لا يقصي أحداً ممن يؤمنون بالدولة، لإرساء قواعد حكم ديمقراطي حقيقي يبدأ بالاستقرار وينتهي بصندوق الاقتراع.

إن ثورة ديسمبر لم تكن مجرد حدث تاريخي عابر، بل هي عملية تحول مستمرة يُعاد تشكيلها اليوم في غرف الطوارئ وشوارع الصمود. إن الوفاء الحقيقي لهذه الثورة في ظل الحرب، لا يتحقق باستنساخ الماضي، بل بامتلاك الشجاعة السياسية لبناء تحالف وطني عريض ينقذ “فكرة الدولة”، ويضع حداً للمغامرات العسكرية ، ليبقى السودان وطناً آمناً يسع الجميع، وتظل إرادة شعبه هي المرجعية والمنتهى.

Exit mobile version