الثورات وسلاح الإنترنت 

نايلة صليبي 

منذ اندلاع الصراع المسلح في السودان في أبريل 2023، لم يعد التضليل الإعلامي مجرد “أخبار كاذبة” تنتشر عبر المنصات الاجتماعية، بل أصبحت سلاح حرب يستهدف توجيه الرأي العام، وتعميق الانقسامات المجتمعية كيف يبرر كل طرف حربه؟

يعتمد كل طرف من أطراف النزاع في السودان على سردية لمحاولة كسب الولاء الشعبي والدولي:

تتبنى القوات المسلحة السودانية سردية “معركة الكرامة”، مصورةً الحرب كدفاع عن سيادة الدولة ومؤسساتها ضد “مليشيا متمردة” ومرتزقة أجانب. وتعتمد في ذلك على التلفزيون الرسمي، وشبكة من المؤثرين على المنصات الاجتماعية، مع توظيف الخطاب الديني والوطني لكسب التأييد الشعبي.

في المقابل تروج قوات الدعم السريع لسردية “حرب الديمقراطية”، مدعيةً أنها تحارب “الفلول” المرتبطة بنظام البشير السابق، لاستعادة الحكم المدني. مستخدمة المنصات الاجتماعية بكثافة، وشركات علاقات عامة دولية وشركات علاقات عامة دولية.

استراتيجية التضليل الرقمي: تزييف رقمي للواقع

تطورت أساليب التضليل في الساحة السودانية لتشمل تقنيات متقدمة تهدف إلى زعزعة الروح المعنوية وتزييف الوعي من أبرز هذه الاستراتيجيات :

إعادة تدوير المحتوى القديم، حيث تُستخدم فيديوهات من حروب سابقة في ليبيا أو اليمن، أو حتى من احتجاجات 2019 في السودان.

ونسبها للمعارك الحالية لإيهام الجمهور بانتصارات وهمية.

تنتشر أيضاً ظاهرة “الذباب الإلكتروني” أو “الجيش الإلكتروني”، وهي آلاف الحسابات الوهمية التي تهاجم أي صوت يدعو للسلام أو ينتقد طرفاً معيناً، وتضخيم أصوات الكراهية، مما يوحي بأن هذا هو “رأي الأغلبية”.

انتشار مقاطع الفيديو المزيفة بتقنية التزييف العميق (Deepfakes): باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتي تُظهر قادة عسكريين أو سياسيين وهم يدلون بتصريحات تحريضية أو يعلنون انسحابات وهمية، لإثارة البلبلة أو إعلان انسحابات غير حقيقية.

كما يُوظف خطاب الكراهية الممنهج: توظيف البعد القبلي والمناطقي لشيطنة مجتمعات كاملة، مما يحول الصراع من سياسي إلى اجتماعي يصعب علاجه.

خلل معلوماتي يآكل الحقيقة

أدى هذا الضجيج الإعلامي المضلل إلى نتائج مأساوية على أرض الواقع؛ حيث يعيش المواطن السوداني في “فراغ معلوماتي” أو “خلل معلوماتي ” حيث يصعب التأكد من هوية المسيطر الفعلي على الأرض، كما حدث في تضارب الأنباء حول السيطرة على الفاشر أو المقرات السيادية في الخرطوم.

امتد التضليل ليعيق العمل الإنساني عبر نشر إشاعات حول تسميم الآبار أو نهب المساعدات من قبل مدنيين، وهو ما يُستخدم كذريعة لمنع دخول قوافل الإغاثة. كما ساهم التضليل في تغييب الأصوات المدنية والسياسية الداعية للحل السلمي، من خلال حملات تشويه وتخوين ممنهجة.

وبرز الانتقال الشفهي للتضليل.

في ظل انقطاع الإنترنت المتكرر، تنتقل الإشاعات الرقمية إلى الواقع الشفهي في الأسواق ومراكز النزوح، وهو أخطر أنواع التضليل، لأنه يكتسب مصداقية عبر الثقة الشخصية بين الناس.

صناعة الرأي العام الوهمي عبر المنصات الاجتماعية

تحولت منصات مثل “فيسبوك” ،”واتساب” و منصة “إكس”- تويتر سابقاً -إلى أدوات فعالة لإدارة الصراع. ونظراً لغياب الإعلام المستقل وصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع، أصبح الجمهور يعتمد كلياً على ما يُنشر رقمياً، مما جعل هذه المنصات بيئة خصبة للتضليل.

إذ كشفت التقارير عن شبكات واسعة من الحسابات الوهمية بعضها يستخدم هويات نسائية مزيفة لكسب التعاطف تهدف إلى إغراق الفضاء الرقمي بوسوم -” Hashtags ” معينة تخدم طرفاً دون الآخر.

يمكن رصد عشرات الحسابات التي تنشر خلال دقائق وسوماً موحدة أو Hashtags على سبيل المثال:

من جهة القوات المسلحة تبرز وسوم Hahstags كـ: “المتمردين”، “المرتزقة الأجانب”، “دحر الخونة”.

من جهة قوات الدعم السريع تبرز وسوم Hashtags كـ: “الكيزان”، “دولة 56″، “عصابة البرهان”.

الإشاعات وكيفية تفنيدها

تتكرر في الساحة السودانية أنماط محددة من التضليل، من أبرزها:

-إشاعات “موت القادة”: حيث انتشرت عشرات المرات أخبار عن مقتل قادة بارزين، باستخدام صور قديمة من مستشفيات أو جنازات عسكرية سابقة، وأحياناً مقاطع فيديو معدلة بالذكاء الاصطناعي تهدف لتحطيم الروح المعنوية للمناصرين، وتكشف بالبحث العكسي عن الصور التي غالباً ما تكون قديمة أو مفبركة.

انتشار بيانات مزورة تحمل شعارات منظمات دولية مثل الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي، تدين طرفاً معيناً أو تعلن عن تدخل عسكري وشيك.

لخلق ضغط سياسي وهمي يكشف هذا التزوير بالرجوع للمواقع الرسمية لهذه المنظمات أو لحساباتها الموثقة.

أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فهو يستخدم لتوليد الشائعات،والصور والفيديوهات المضللة ويستخدم أيضا لمواجهة التضليل إذ تستطيع الخوارزميات اليوم تشريح حملات “الذباب الإلكتروني” أو “الجيش الإلكتروني” و ما يسمى ب”السلوك الزائف المنسق” أي ” coordinated false behavior” عبر:

تحليل الأنماط السلوكية Behavioral Analysis

الذباب الإلكتروني لا يتصرف كبشر طبيعيين، وهنا تكمن نقطة ضعفه. يستخدم الذكاء الاصطناعي خوارزميات متقدمة لمراقبة:

كثافة النشر غير الطبيعية: إذا قام حساب بنشر مئات التغريدات في ساعة واحدة، أو استمر في النشر لمدة 24 ساعة دون توقف، يصنفه الذكاء الاصطناعي فوراً كـ “بوت”، لأن البشر يحتاجون للنوم والراحة.

التزامن المريب: في الساحة السودانية، نلاحظ أحياناً مئات الحسابات تنشر نفس الوسم أو “هاشتاغ” في ثانية واحدة. الذكاء الاصطناعي يلتقط هذا التزامن الذي لا يمكن أن يكون صدفة بشرية.

معالجة اللغات الطبيعية وكشف الأنماط النصية

تعتمد غرف الإعلام الموجهة على نصوص موحدة يتم توزيعها على شبكات الحسابات الوهمية. يقوم الذكاء الاصطناعي بمقارنة النصوص عبر آلاف الحسابات؛ فإذا وجد أن عبارة معينة مثل “القوات المسلحة تسيطر على تلك المنطقة ” أو “الدعم السريع يحرر هذه منطقة “مكررة بنفس الأخطاء الإملائية أو التنسيق من قبل حسابات مختلفة، تصنف هذه الحسابات كشبكة مضللة.

كما يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي تمييز اللغة التي تبدو آلية أو مبالغاً في عدائيتها بشكل غير طبيعي، والتي تهدف فقط لرفع التفاعل وليس للنقاش الحقيقي.

رسم خرائط الشبكات الاجتماعية Network Mapping

هذه التقنية من أكثر الأدوات فعالية في كشف حملات التضليل المنظمة. يقوم الذكاء الاصطناعي برسم خريطة للعلاقات بين الحسابات ويكشف:

فقاعات التأثير المغلقة: دوائر تضم مئات الحسابات التي تتابع بعضها فقط ولا تتفاعل مع العالم الخارجي إلا عند الهجوم على شخصية معينة أو دعم رواية محددة.

تتبع مصدر الإشاعة: يمكن للخوارزميات تتبع أول حساب نشر المعلومة المضللة وكيف انتشرت بشكل كبير Amplification عبر حسابات وهمية أخرى.

كشف الحسابات النائمة Sleeper Cells

رصد في السودان آلاف الحسابات التي أُنشئت في تواريخ متقاربة، غالباً قبل الحرب بأسابيع أو أيام. يستخدم الذكاء الاصطناعي تقنيات التحليل التاريخي؛ فيجد حساباً كان يغرد عن الرياضة لسنوات، وفجأة تحول بالكامل للنشر العسكري المكثف وبلهجة مختلفة. هذا يشير إلى أن الحساب تم شراؤه أو اختراقه واستخدامه ضمن حملة مبرمجة.

التحديات التي تواجه الذكاء الاصطناعي في كشف التضليل في السياق السوداني

رغم قوة أدوات الذكاء الاصطناعي، فهي تواجه تحديات خاصة في الحالة السودانية:

اللهجة العامية: الذكاء الاصطناعي العالمي قد يواجه صعوبة في فهم دلالات الكلمات السودانية الدقيقة مثل ” الـبَـل”،”الجَـغِـم” ” القونات” وكيفية استخدامها في التحريض، مما يتطلب نماذج مدربة محلياً.

كما أصبح بإمكان “الجيوش الإلكترونية” أو “الذباب الإلكتروني” استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل “شات جي بي تي ” أو “جيميناي” و “ديب سيك” و غيرها من الأدوات، لتوليد آلاف التغريدات عن نفس الموضوع ولكن بصياغات مختلفة تماماً، مما يجعل كشف التكرار التقليدي أصعب ويتطلب أساليب أكثر تطوراً.

يبقى، في ظل التزييف والتضليل، بات الوعي والتثقيف الإعلامي والاستخدام الذكي للتكنولوجيا، الدرع الأساسي لحماية الحقيقة في زمن الحرب.

Exit mobile version