التشكيلية رندا ياسين : في زمن الحرب على الفنان أن يكون شاهدًا وموثِّقًا، لا متفرجًا صامتًا
أنتمي لإرث مدرسة الخرطوم لكنني لا أتعامل معه كقالبٍ مُغلق
الدوحة – مشاوير / حوار: مجدي علي
تنتمي الفنانةُ التشكيليةُ السودانيةُ رِندا ياسين إلى جيلٍ تشكَّل وعيُه الفنيُّ في تداخلٍ عميقٍ بين التجرِبةِ الشخصيةِ والتحوُّلاتِ الكبرى التي مرَّ بها السودان. منذ بداياتها الأولى، ارتبط الفنُّ لديها بالسؤال عن الذَّاتِ والهويَّة، وبالبحث عن معنى الوجود في بيئةٍ مثقلةٍ بالتقلُّبات الاجتماعية والسياسية. لم يكن التشكيلُ بالنسبة لها ممارسةً جماليةً فحسب، بل مساحةً لاكتشاف الداخل، وإعادة ترتيب العلاقة مع العالم من حولها.
تدرَّجت تجربةُ رِندا ياسين الفنية عبر مساراتٍ متعدِّدة، شملت الرسمَ والتصويرَ التشكيليَّ والتدوينَ البصريَّ، واتَّسمت أعمالُها بحساسيةٍ خاصة تجاه التفاصيل الإنسانية، وبقدرةٍ واضحة على المزج بين الرمزية والتراث والاشتغال الحداثي. هذا المسارُ الشخصي، بما يحمله من خبراتٍ ومعايشةٍ يوميةٍ للواقع، أسهم في صقل لغتها البصرية ومنحها صوتًا متفرِّدًا في المشهد التشكيلي السوداني المعاصر.
ومع تصاعد الحرب وتفاقم الأزمات في السودان، تحوَّلت السيرةُ الذاتيةُ لرِندا ياسين إلى جزءٍ لا ينفصل عن منجزها الفني. فقد وجدت نفسها، كإنسانةٍ وفنانة، في مواجهةٍ مباشرة مع الفقد والاقتلاع وعدم اليقين، لتغدو التجرِبةُ الشخصية مادّةً مركزية في أعمالها وكتابها (رحلةُ فنٍّ ونجاة)، حيث يتحوَّل الإبداعُ إلى فعلِ مقاومةٍ وتوثيق، وإلى وسيلةٍ للنجاة الفردية والجماعية في آنٍ واحد.
اضطرت رِندا مؤخرًا للعيش في المنفى بمدينة القاهرة بمصر، حيث واصلت نشاطها الفني والمشاركات في المعارض وورش العمل، واستمرَّت في التعبير عن الهوية السودانية وقضايا السلام والأمل في أعمالها، على خلفية تجربة التشرد واللجوء.
في هذا الحوار، نقترب من رِندا ياسين انطلاقًا من سيرتها الشخصية ومسارها الفني، لنفهم كيف صاغت تجربتها الذاتية لغةً تشكيليةً وإنسانية، وكيف أصبح الفنُّ لديها وثيقةَ حياة، وذاكرةً مفتوحة على الألم والأمل معًا.
جانب من أعمالها
حدِّثينا عن بداياتكِ الفنية، وكيف شكَّلت دراستكِ في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية نقطةَ انطلاقكِ الاحترافية؟
كانت كليةُ الفنون الجميلة والتطبيقية هي الخطوةَ الأولى في احترافي للرسم والتشكيل. تلقيت دعمًا معرفيًا وإنسانيًا كبيرًا من أساتذتي، وعلى رأسهم الأستاذ عبد الله حسن بشير، عليه رحمةُ الله، والبروفيسور بسطاوي بغدادي، الذي، رغم قِصر فترة تعاونه معنا، فإنها كانت من أهمِّ المراحل التي أثَّرت في وعينا الفني، خاصةً في قسم التلوين. لاحقًا، اتَّجه اهتمامي نحو رسم القصص المصوَّرة للأطفال، حيث ركَّزتُ لفترةٍ طويلة على رسم الأحاجي الشعبية، وأنجزت خلالها أعمالًا شكَّلت ملامح هذا التوجُّه الفني، وربطت بين الفنِّ والتعليم والذاكرة الشعبية.
كيف تعبِّرين عن رؤيتكِ من خلال توظيف التراث والثقافات السودانية المتعدِّدة في أعمالكِ؟
أوظِّف العناصر المستوحاة من التراث والثقافات المتعدِّدة في السودان عبر تناول أيقوناتٍ تراثية وبصرية تُكوِّن موضوعاتٍ تحكي قصصًا توقظ الذاكرة والحنين، وغالبًا ما تمتزج هذه العناصر برمزيةٍ تعبِّر عن قيمٍ إنسانية مثل الحرية والسلام والكرامة.
ما دور اللون والخط والفراغ في تجربتكِ للتعبير عن القيم الإنسانية التي تؤمنين بها؟
أتعامل مع اللون والخط والفراغ بوصفها عناصر حيَّة تحمل دلالاتٍ شعورية وإنسانية. اللون عندي ليس تزيينًا بصريًا، بل حالةٌ نفسية ورسالةٌ وجدانية تعبِّر عن الحبِّ والألم والأمل. الخط يمنح العمل إيقاعه الداخلي، بينما يتيح الفراغ مساحةً للصمت والتأمُّل، وهو أحيانًا أبلغ من الامتلاء. أؤمن بأن الجمال رسالةٌ أخلاقية وإنسانية، وأن الفنَّ الحقيقي يلامس الروح قبل العين.
جانب من أعمالها
لماذا اخترتِ المرأة لتكون محورًا أساسيًا في أعمالكِ؟
اخترتُ المرأة لاعتقادي بأنها الأكثرُ ثراءً في عكس ملامح الثقافة السودانية، من خلال ملابسها وزينتها ومجلسها وحضورها في الحياة اليومية والأشغال اليدوية. المرأةُ تحمل ذاكرةَ المجتمع وتعبِّر عن تنوُّعه وقيمه، وهي عنصرٌ بصريٌّ وإنسانيٌّ غنيٌّ في العمل الفني.
كيف ترين موقع تجربتكِ بين إرث مدرسة الخرطوم وطموحكِ نحو لغةٍ تشكيلية حديثة وعالمية؟
أنتمي وجدانيًا لإرث مدرسة الخرطوم بما تحمله من وعيٍ بالهوية والبيئة، لكنني لا أتعامل معها كقالبٍ مُغلق. أسعى إلى تطوير لغةٍ تشكيليةٍ خاصة تنطلق من المحلي وتنفتح على العالمي، بحيث يكون العمل مفهومًا خارج السياق الجغرافي دون أن يفقد جذوره.
أسَّستِ مجموعة (أنامل مبدعة) لتنمية مواهب الأطفال، كيف تقيِّمين هذه التجربة؟
كانت تجربة (أنامل مبدعة) مشروعًا ناجحًا رغم قِصر مدته. قدَّمنا للأطفال أنشطةً متنوِّعة في الرسم والتلوين والتركيب وصناعة الدُّمى والكورسات الصيفية، بالتعاون مع جهاتٍ ثقافية مثل مركز الجنيد الثقافي. ركَّزنا على اكتشاف المواهب ومتابعتها وتوجيهها وفق الفئات العمرية، وكان الأثرُ إيجابيًا وواضحًا.
كيف تنظرين إلى علاقة الفنان بالمجتمع ودور الفن في التغيير الاجتماعي؟
الفنانُ جزءٌ لا يتجزَّأ من المجتمع، وهو مرآته ونافذته المعرفية. من خلال العمل الفني يمكن ترسيخُ قيمٍ وأخلاق، وخلقُ رموزٍ ودلالات تؤثِّر في وعي المتلقي، وبذلك يصبح الفنُّ أداةً فاعلة للتغيير الاجتماعي الإيجابي.
جانب من أعمالها
ما الهدف من مشاركتكِ في الأنشطة الفنية المرتبطة بالتراث مع الأطفال؟
توثيقُ الهوية والتراث مسؤوليةٌ أساسية على الفنان. دوري لا يقتصر على الإنتاج الجمالي، بل يشمل البحث في عناصر التراث ودراستها، ثم إعادة تقديمها بصريًا بما يساهم في حفظ الذاكرة الثقافية ونقلها للأجيال القادمة.
كيف أثَّرت ثورةُ ديسمبر والحرب على رؤيتكِ الفنية؟
تأثَّرتُ كغيري من الفنانين بالأحداث الوطنية، وكان لثورة ديسمبر والحرب أثرٌ عميق في الرؤية والأسلوب والإنتاج. رسمتُ العديد من اللوحات التي عبَّرت عن التضامن مع الثورة واحتياجات الشعب، وتحولت أعمالي إلى مساحةٍ للتعبير عن القلق والأمل معًا.
إلى أيِّ مدى يُعدُّ الفنُّ وسيلةً لتوثيق الذاكرة الجماعية؟
الفنُّ من أقوى وسائل التوثيق؛ فلوحةٌ واحدة قد تختصر ملامح وطنٍ كامل. ورغم صمت العمل الفني، فإن رسالته قد تكون أكثر تأثيرًا من الخطاب المباشر.
كيف تفهمين دوركِ في إعادة قراءة الهوية السودانية بصريًا؟
تحضرني هنا قراءةُ د.كمال هاشم حول تجربتي، والتي أضاءت مفهوم الهوية اللونية، وما ظهر في لوحاتي كتعبيرٍ حرٍّ ينبع من الداخل لا من إطارٍ أيديولوجي. أنا أتعامل مع اللون بوصفه تعبيرًا حرًّا يستند إلى البيئة والثقافة الشعبية، بعيدًا عن القوالب الجاهزة.
ما أبرز التحديات في الجمع بين المحلية والتلقِّي العالمي؟
التحدي يكمن في التكيُّف مع بيئةٍ فنية جديدة، وفهم متطلبات العرض والمنافسة العالمية، دون فقدان الخصوصية الثقافية.
جانب من أعمالها
حدِّثينا عن (سَمَرِيَّة) ومشاريعكِ الحالية وتجربة إصدار كتاب (رحلةُ فنٍّ ونجاة)؟
مشروع (سمرية) توقَّف بسبب الحرب، لكنني واصلت العمل عبر المعارض والورش. إصدار كتاب (رحلة فن ونجاة)، برعاية مركز CEDEJ بالقاهرة عام 2025، كان ضرورةً لتفريغ تفاصيل لا تحتملها اللوحة وحدها، وهو امتدادٌ طبيعي لتجربتي التشكيلية.
كيف تقيِّمين تطوُّر الفن التشكيلي السوداني في الداخل والمهجر؟
رغم المأساة، شهد الفن التشكيلي السوداني انتشارًا عالميًا لافتًا، وأواصل المشاركة في هذا الحراك عبر الإنتاج والمشاركة في المعارض الجماعية داخل السودان وخارجه.
كيف أثَّرت الحرب على حياتكِ ومساركِ الفني بعد الانتقال إلى مصر؟
الحرب أحدثت قطيعةً قاسية مع حياتي السابقة، لكنها أفسحت في المقابل فرصًا جديدة. توسَّعت دائرة إنتاجي الفني، ووجدت في الفن وسيلةً للمقاومة النفسية والاستمرار. فقدان الأعمال كان مؤلمًا، لكن التجرِبة والأسلوب والذاكرة بقيت داخلي، وتحولت إلى وعيٍ أعمق في أعمالي الجديدة.
كيف انعكس موضوع الحرب في مضامين أعمالكِ؟
تحوَّلت أعمالي إلى دعوةٍ للسلام والأمل، مستخدمةً رموزًا مثل الحمامة البيضاء وزهرة الحياة، تعبيرًا عن التوازن ووحدة الوجود.
جانب من أعمالها
الفنُّ كان وسيلتي للمقاومة النفسية والاستمرار، حين انهارت الحياة من حولي
هل تؤمنين بدور الفن في بناء ثقافة السلام؟
بالتأكيد، الفنُّ أداةٌ توعوية قوية، وقادر على مواجهة العنف وكشف المعاناة.
ما الدورُ المتوقَّع من الفنانين السودانيين في زمن الحرب؟
على الفنان أن يكون شاهدًا وموثِّقًا، وأن يعبِّر عن وجدان الناس ويوجِّه الوعي نحو السلام.
ما رسالتكِ لزملائكِ الفنانين؟
لا تتخلَّوا عن أصواتكم. الفنُّ ضرورةٌ في زمن الانكسار، والعمل الصادق قادرٌ على العبور مهما كانت الظروف.
التشكيلية رندا
بروفايل
رندا عبد المطلب محمد ياسين
حاصلة على بكالوريوس في التلوين من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا (2000).
حاصلة على ماجستير في التلوين ورسوم الأطفال (2009).
تمارس نشاطًا فنيًا متعدّد المجالات يشمل الرسم التوضيحي، والقصص المصوّرة، وأعمال التلوين للأطفال، إلى جانب تنظيم المعارض وورش العمل الفنية والتعليمية.
فنانة تشكيلية بصرية تتميّز بتوظيف اللون والرموز التراثية في التعبير عن الهوية والذاكرة والقيم الإنسانية. تستلهم أعمالها من التراث الشعبي السوداني، بما في ذلك الملابس والزينة والحكايات المحلية، لتجسّد حضور المرأة السودانية بوصفها محورًا بصريًا وثقافيًا غنيًا. ينفتح اشتغالها الفني على قضايا السلام والحرية والحنين إلى الوطن، متجاوزًا البعد التزييني إلى فضاءات المعنى والارتباط الاجتماعي والثقافي، خصوصًا في سياقات الصراع والمنفى.
أنجزت عددًا من اللوحات المستلهمة من اعتصامِ القيادةِ العامّة، عبّرت فيها عن الحلم الجماعي بالحرية والسلام، واستحضرت رموز الصمود والمرأة والفضاء العام بوصفها ذاكرةً حيّةً للثورة.
شاركت في العديد من المعارض الفردية والجماعية داخل السودان وخارجه، من بينها معرض جماعي بعنوان (حكايات من السودان) في مركز الصورة المعاصر بالقاهرة (2024)، إضافة إلى مشاركات فنية متواصلة منذ عام 1996 وحتى 2025 في أكثر من 39 معرضًا.
شاركت في ملتقيات الفنانين السودانيين بالقاهرة، وأسهمت في ورش عمل فنية متخصّصة للأطفال والكبار، كما أشرفت على أنشطة تدريبية ضمن اتحاد الفنانين التشكيليين وجماعات ثقافية وفنية سودانية.
نالت ثلاث ميداليات ذهبية في مسابقة مهرجان الشارقة القرائي للطفل، إلى جانب جائزة تشجيعية في مسابقة أوكا لكتب الأطفال.
لها مساهمات في كتابة ورسم نصوص كتب الأطفال المصوّرة.
مؤلِّفة كتاب (حكاية فن ونجاة)، الذي يوثّق رحلتها الفنية والشخصية من الثورة السودانية مرورًا بالحرب وصولًا إلى المنفى في القاهرة.