دعني أخبرك شيئاً يا عزيزي…. عادة ما تقودني قدماي للعودة من مرورا بسوق امدرمان العتيق. فما ان اصل إلى شمال المسجد الكبير، حتى أجد نفسي وجهاً لوجه أمام تلك الكائنات المعدنية الصفراء التي يطلقون عليها تأدباً “التاكسي التعاوني”، أو كما يسميها العامة في نوبة من الرومانسية المفرطة: “مريم الشجاعة”.
شجاعة؟ ربما.. لكن الشجاعة الحقيقية هي شجاعة من يقرر الدخول في جوف هذا الشيء.
تلك المركبات، التي يبدو أنها شهدت الحرب العالمية الثانية ونجت منها بأعجوبة، تقف في طوابير طويلة كأنها ديناصورات انقرضت ونسيت أن تموت. هي وسيلة مواصلات ارتبطت بالشعب السوداني منذ الثمانينيات، ثم قررت لسبب لا يعلمه إلا الله وسائقوها أن تتقاعد وتكتفي بخط (المحطة الوسطى أم درمان – الثورة بالنص – المهداوي). وكأنها قطعت عهداً ماسونياً غامضاً ألا ينافسها أحد في احتكار أرواح ركاب هذا الخط.
ما إن تقترب من الموقف، وتلفحك شمس الظهيرة الحارقة التي تكاد تذيب نظارتي على أنفي، حتى تهاجم طبلة أذنك أصوات “القمسنجية”. هؤلاء القوم يملكون حناجر من نحاس يهتفون بحماس منقطع النظير: “مهداوي.. مهداوي.. شارع النص”. كلما اقتربت من إحداها، ينتابني ذلك الشعور المألوف بالرغبة في الهرب، شك عميق في قواي العقلية يدفعني للتساؤل: هل أريد حقاً الدخول في بطن هذا الحوت؟ لكن، وكما جرت العادة، فإن انعدام الخيارات ورغبتي العارمة في الوصول إلى البيت لأتناول غدائي وألعن العالم في هدوء، هما الدافع الوحيد لخوض هذه المغامرة الانتحارية.
لنحلل هذا الكائن تشريحياً:
هذه الوحوش وصلت السودان كسيارات “فورد” أمريكية أصيلة من “ديترويت”، رمزاً للصلابة. لكن بسبب الحصار، وغلاء قطع الغيار، ومواهب الميكانيكية التي تفوق قدرات “فرانكنشتاين” في الترقيع، تحولت إلى مسخ عجيب. الهيكل خارجي أمريكي، والأحشاء خليط هجين من قطع يابانية وكورية. لم يتبقَ من “فورد” سوى الهيكل الخارجي الذي أصبح، للمفارقة، علامة الجودة المميزة لخط “المهداوي”.
ركبتُ أخيراً.. ونجحت في احتلال مقعدي المفضل قرب الباب (استراتيجية الهروب السريع في حال اشتعل المحرك). السائق، وهو رجل نحيل يتمايل مع المقود كأنه يروض ثوراً هائجاً، يمارس لعبة نفسية قذرة تُسمى “التقدم والتقهقر”. يحرك السيارة شبراً للأمام ثم يوقفها، موحياً لنا بأننا على وشك الإقلاع، ومستفزاً الطامعين في الخارج بأن المقاعد ستنفد، في حين أننا لا نزال قابعين في أماكننا ننتظر اكتمال العدد.
صوت المحرك الديزل..! صوت خشن، رجولي، ينم عن غضب دفين، يرن في أذني ويجعل أسناني تصطك ببعضها.
اكتمل العدد أخيراً، وأغلق الباب بذلك المزلاج العجيب الذي يشبه -بلا فخر- مزلاج حمام بيتنا المتهالك. هنا يبدأ “الكمساري” ممارسة طقوسه المفضلة. ينحني داخل الوحش كأنه يبحث عن كنز مفقود، ويبدأ في جمع “التعريفة” مصحوبة بطقطقة أصابعه الإيقاعية.
نظرت حولي أتأمل رفقاء الرحلة في هذا القبر المتحرك:
• سيدة وزوجها يحتلان المقعد الأمامي بجانب السائق.
• طالب جامعي في الخلف، يمارس دور “دون كيشوت” ويدفع الأجرة للفتاة التي أمامه (لابد أنها بنت الجيران، أو أنه متفائل أكثر من اللازم).
• أخ من جنوب السودان يجلس بجانبي، يشاركني ضيق المساحة.
• وموظف حكومي بائس، عرفته من هندامه وأقلامه المصفوفة في جيبه كأنها رتب عسكرية، يحمل كيس خضار يبدو أنه سيكون غداءً حزيناً عبارة عن سلطة يتيمة.
• وطالب آخر يمسك دفتراً مطوياً، ربما يراجع دروسه أو يكتب وصيته، لست متأكداً.
• وآخرون، ما يجمعهم هو الوجوم والتامل، فلا هواتف ذكية في ذلك الوقت…
الجميع يجمعهم حلم واحد بسيط: الوصول إلى المنزل قطعة واحدة.
السيارة تتهادى، والسائق يحاول تفادي حفر “شارع النص” ببراعة يحسد عليها، وكأننا في حقل ألغام. ومن عجائب “التاكسي التعاوني” أنه لا يعترف بمفهوم “المحطة”. القاعدة هي “اللا قاعدة”. يوجد راكب؟ تتوقف السيارة. تريد النزول؟ الأمر بسيط.. فقط قم بفرقعة أصابعك، أو سيقوم الكمساري بإصدار صوت “سكسكة” بفمه، وهو صوت كنا نستخدمه في التسعينات لمغازلة الفتيات، لكنه هنا وبقدرة قادر تحول إلى شفرة مورس المعقدة لإيقاف هذا الوحش المعدني.
هذه الآلة التي يفوح منها عطر “الجاز” النفاذ الذي يزكم الأنوف، ويهتز هيكلها مع كل نبضة من نبضات محرك الديزل، ومع وجود جالون احتياطي ووصلة وقود ملقاة بإهمال على الأرضية، تصر بعناد غريب على الحياة. إنها عجوز متصابية تأبى أن تموت، وتصر على إيصالنا رغم كل أمراض الشيخوخة التي تعاني منها.
أخيراً.. لاحت “محطة شقلبان”.
قفزتُ من المركبة قبل أن تتوقف تماماً، بجانب بائعات الكسرة وكشك الجرائد، حامداً الله على سلامة الوصول، ومستعداً لإكمال باقي المشوار سيراً على الأقدام. المشي مفيد للقلب كما يقولون، أو على الأقل، أكثر أماناً من البقاء دقيقة أخرى في أحشاء “مريم الشجاعة”.