سودانير بين مطرقة الحرب وسندان الفساد (2)

أشرف عبدالعزيز

بينما يهلل البعض لاستئناف رحلات (سودانير) اليوم الأحد، معتبرين ذلك صك براءة ينفي ما أثرناه حول شبهات الفساد واستغلال النفوذ، يبدو أن الذاكرة الإدارية والرقابية تعاني من ثقوب واسعة.

إن عودة طائرة إلى المدرج لا تعني بالضرورة تعافي المنظومة، بل قد تكون مجرد قشرة خارجية تخفي تحتها تآكلاً مؤسسياً بدأ من رأس الهرم، حيث استمر مجلس الإدارة السابق لأكثر من خمس سنوات دون تغيير، في مخالفة صريحة للوائح، بل والأدهى من ذلك هو تغول وزارة المالية على اختصاصات وزارة النقل، ليصبح وزير المالية د. جبريل إبراهيم رئيساً للمجلس للمرة الثانية في مفارقة قانونية تثير التساؤل حول كيفية تنازل الوزارة المعنية عن صلاحياتها الفنية لصالح وزير المالية، لدرجة تتردد معها الأنباء عن استجداء البقاء في المنصب بحجة الخبرة السابقة في إدارة شركات طيران خاصة.

وتتجلى خطورة هذا التداخل في المصالح عند النظر إلى العلاقة الوثيقة التي تربط د. جبريل إبراهيم بالمهندس عماد عبد الله، صاحب شركات (إير ليبيا) و(بنغازي) والمستشار الحالي لمجلس إدارة سودانير المعين من قبل د.جبريل.

هذه العلاقة ليست وليدة الصدفة، بل تمتد جذورها إلى محطات تشاركية لافتة، فبعد أن غادر د. جبريل موقعه في شركة (عزة) للطيران، انتقل للعمل مديراً لشركة عماد عبد الله في الشارقة، مما يفسر الثقة المطلقة التي منحت للأخير في ملفات حساسة كشراء الطائرات.

إن عماد عبد الله، الذي تلاحقه اتهامات تاريخية بتزويد حركة العدل والمساواة بآليات “التاتشر” في غزوة أم درمان، والمقرب من دوائر عسكرية في ليبيا، بات اليوم هو الناهي والآمر في صفقات الناقل الوطني، حيث تعمد المماطلة في عرض تمويل صيني جاهز لثلاث طائرات، ثم عاد ليشتري طائرات بمعرفته الخاصة، لتمضي شهور وسودانير تراوح مكانها، بينما يُشاع أن لديه أسهم في شركات منافسة مثل (بدر)، مما يضعنا أمام فرضية “تفكيك الناقل الوطني” لصالح استثمارات خاصة وشراكات إقليمية مشبوهة.

وبالتوازي مع هذا التشابك في المصالح، تبرز قضية شركة (أمادوس) الإسبانية كشاهد ملك على الفساد الصامت، فكيف تُصفى شركة تملك فيها سودانير 60% وتدر عائدات سنوية تصل إلى مليوني دولار، بمبلغ زهيد لا يتجاوز 800 ألف دولار؟ هذا التبديد للأصول جرى بعلم الأجهزة المختصة، تماماً كما جرى في ملف صيانة الطائرة بالهند، حيث قفزت الفاتورة من 149 ألف دولار إلى أكثر من نصف مليون دولار وسط قصص مثيرة للريبة عن “تهكير إيميلات” وتحويل مبالغ لحسابات خاطئة، ثم الاضطرار لشراء حصائل صادر من بنك أمدرمان الوطني ، مما أبقى الطائرة حبيسة (الهناجر) لشهور طويلة ضاعت فيها فرص تشغيلية لا تقدر بثمن.

إن التخبط لم يتوقف عند حدود الإدارة والمال، بل امتد للجانب الفني الصرف، فما حدث في صيانة القاهرة من مسح غير مقصود لجهاز تسجيل بيانات الحوادث (FDR) واضطرار الشركة لشراء (nose wheels) بـ 300 ألف دولار بسبب توصية “إيرباص” القاسية، يوضح حجم الاستهتار بمتابعة العمليات الفنية.

اليوم تعود الطائرة، لكنها تعود فوق ركام من الأسئلة حول مصير الأصول المبددة، وحول مستشارين يديرون دفة الناقل الوطني بعقلية الشركات الخاصة والولاءات السياسية ، مما يجعل من استئناف الرحلات مجرد “حقنة تخدير” في جسد مؤسسة تُنهش من الداخل.

ونواصل

Exit mobile version