إن وقع عودة المواطنين إلى ديارهم لهو أشد وقعا وإيلاما على قلوب المتربصين من وقع الدانات والمدافع، ومن ضربات نسور الجو، وإن التعافي في البنيات التحتية، وإعادة الإعمار لتدخل كالسهم المسموم في قلوب ملأها الحقد على المواطن وعلى العاصمة التي كانت تفتح صدرها للجميع دون شكوى أو كلل أو ملل، تستوعب كل الاختلافات، ولا تئن أو تشكو، فدفعت الثمن بإن يتبول على رأسها كل الأوغاد دون أن يكلقوا أنفسهم عناء تسميته مطرا..!!
أخبار التعافي والعودة تجعل قلوب هؤلاء تشتعل بالغل، والحقد والحسد، بعد أن كانوا على مرمى انهيار معنويات من استلام كل شيء، عودة الناس تعني الكثير، فكل بص يدخل العاصمة محملا بالعائدين هو بمثابة تآكل لحلم مستحيل التحقيق وماتوا من أجله “فطايس”، في ميادين دخلوها ولم يكونوا يتحسبون لهذا المارد الأخضر حين غضبة، وهاهو يطاردهم في البوادي والوديان، وفي كل جحر مثل سيل اجتاح وادي الجرذان ولم يترك حفرة أو جحر إلا ودخلها..!!
أنسفوا أحلامهم بالبشريات، بأعمدة الكهرباء تعانق عمالها الذين يرسلون ابتسامتهم من عل إيذانا بانسياب التيار وعودته، وزغاريد النساء وتهليل المواطنين، وتلك رسالة تقول للأوباش اللصوص، إنهم سرقوا أسلاك النحاس وباعوها، ولكنهم لم يفلحوا في سرقة العزيمة والحلم وغريزة البقاء والتمسك بالأرض، وإعمارها من جديد..!!
سرقوا اللمبات، والأبواب، والأسقف، بعدما سرقوا السيارات والذهب والمال والأثاثات، سرقوا حتى لعب الأطفال المخزنة في الرفوف البريئة، ولكنهم لم ينجحوا في امتحان الإنسانية، ولم يستوعبوا فكرة أنهم “سقط متاع” لا يلقي لهم أحد بالا، ولا يستفيد أحد من وجودهم، ولعل الفكرة الأصوب التي اتخذوها هو الموت “ساي” تحت ركام قضية لا يدركون ماهيتها ولا يعرفون حتى ماذا تعني كلمة قضية، وأولئك تكفلت بهم القوات المسلحة وقطعت دابرهم من أرض لم يكونوا لها ولم تكن لهم يوما..!!
إعادة إعمار الكباري، تعيد الوصل الجميل، لانسياب كريات الحب في شريان العاصمة، بحري تغذي الخرطوم، وأم درمان تتهادى عبر كبري الحديد وكبري الفتيحاب، تحمل عطر بحري عبر كبري الحلفايا وشمبات، فتضيء سماوات العاصمة بالتلاقي الحميم وننهض جميعا بهذا البلد الجنة..!!
نريد إن تعود أم درمان إف إم 100 لتعيد ترابط الأجيال الذي افتقدناه في كل سنوات الحرب، أن نخرج من هذه العباءة المكررة في الإذاعات العاملة، والتكرار الممل الجنائزي لأمة تنتصر على العدو وتقدم دروسا للعالم عن المعنى الحقيقي للحروب وللجيش وللمواطن المؤمن بقضيته رغم أنه فقد كل شيء، ولقائد خرج من حصار الأمتار الأخيرة ثم قاد أمته للنصر، وتلك قصص ينبغي أن يخلدها التاريخ، وأن يملأ صدور أجياله عزة ومهابة، واحترام لهذا الجيش وهؤلاء الجنود، وتجعل الرإس مرفوعا حين يرفرف علمنا عاليا خفاقا يتحدى الرياح ويشق عنان السماء..!!
إن ابتسامتنا تفعل فيهم الكثير وتبيد معنوياتهم، ودخولنا إلى بيوتنا التي أتلفوها وسلبوها تشل كل تفكيرهم، والمكانس التي نحملها لإزالة مخلفاتهم وأوساخهم التي تركوها تجعل حياتهم مستحيلة، لذلك فإن علينا أن نصنع لهم هذه الحرب النفسية، ونبيدهم بالأمل داخلنا، ورغبتنا في استعادة ما عطلوه من حياة، ولنقول لهم إن الخرطوم التي حاولتم هدمها ستعود أجمل وأنظف وأنقى مما كانت عليه..!!
هذه هي الحرب المدنية التي نطمح في خوضها، وكما انتصر جيشنا عسكريا، فإنا قادرون على الحياة مثلما تقبلنا واقعية النزوح واحتمالية الموت بالرصاص أو كمدا..!!
أعيدوا تفاصيل الحياة اليومية للناس، لتعود الخرطوم وتغني لوردي وود الأمين وعثمان حسين وأونسة وأبو الزيك والخالدي..!
تعليم دواء.. ونعيش سوا.. العيشة ماها المترفة..!!
أو كما قال صديقي ابن القرير عمار قطبي..!!
اللهم اغفر لي ولوالدي.. رب ارحمهما كما ربياني صغيرا..!!