“الشبرية”… إرث ثقافي وجمالي ضارب في أعماق التاريخ البدوي السوداني
مشاوير - عثمان الأسباط
في بلد رعوي شاسع مثل السودان، قد تستغرق رحلة الأبالة ما يزيد على شهرين، يتخذون فيها وسيلة نقلهم الأمثل والأفضل، وهي ظهور الأبل، إذ تحملهم إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، إنها “الشبرية”، أكثر بيوتهم فخامة.
يعد الهودج أو الجحفة إرث ثقافي وجمالي ضارب في أعماق التاريخ البدوي السوداني، وهو بيت أفراح متنقل ينتشر بين القبائل التي تقطن إقليم كردفان غرب السودان، بخاصة بين ملاك ورعاة الإبل، ويستخدم عادة في تنقلاتهم وترحالهم شمالاً وجنوباً، بحثاً عن الكلأ والماء واتقاء تقلبات الطقس.
مكونات متنوعة
تصنع الشبرية على هيئة قبة من الأخشاب الرفيعة، وتكون كسوتها من الشعر المنسوج “الشِمال” (مفردها شَمْلة) أو من القماش ذي الألوان الزاهية، وهي تشبه المنزل المتنقل المشيد على ظهر الجمل، إلى حد بعيد، إذ تستغلها النساء والأطفال في تنقلهم وهي محمولة على ظهر البعير.
ولعل أكثر أشكالها تميزاً تلك التي تحمل عليها العروس، فإلى جانب زينتها المألوفة يضاف إليها جرس له رنين متصل يميز موكب العروس وبعيرها الذي تمتطيه، عطفاً عن مقتنياتها وعتادها الذي يوضع بجانب الشبرية، وهو عبارة عن مصنوعات جلدية مثل القراف (مفردها قرفة) والجربان (مفردها جراب)، وفيها توضع متعلقات العروس من عطر وأدوات زينة وتجميل وأزياء، وحاجاتها الأخرى.
تفاصيل الرحلة
يسير البعير الذي تحمل على ظهره الشبرية في حركة وئيدة مما يجعل الجحفة تتمرجح بهدوء كأنما تدلل العروس التي بداخلها، وربما كانت إحدى علامات الاحترام والتقديس للمرأة عند الرجل، فهم يخصصون الهوادج والشبريات للنساء، مما يجعلهن في أمان من الحر والبرد والمطر، فضلاً عن وقايتهن من أعين الحاسدين بحسب اعتقادهم”.
“الشبرية” ليست فقط وسيلة، فعلى رغم تطور الحياة وتسارع حركتها إلا أن البدوي يظل متمسكاً بها ما دامت حياته تتصل بالإبل، فهي مظهر من مظاهر فخره واعتزازه بتراثه وعلامة على احترامه للأنثى وتقديسها.
أغنيات شعبية
دخل الهودج أو الشبرية ثنايا الأغنيات الشعبية من أوسع الأبواب كدلالة لأهميتها في حياة البدو غرب السودان، ومن أشهر هذه الأغنيات “الراكب الشبرية بالله حن عليا”، و”بفارق المدينة وبتابع السعية”، في حين يتم تبجيل العروس التي يحملها الهودج بمقطع يقول “الغالي دهب كوبي جمالا جن”.
كما تُوصف رحلة النشوق بمقطع يقول “رقاب القوز يا طنك كان بقيت قش يرعنك”.
وتغني فتيات قبيلة الكبابيش للشاب الذي يزين الجمل “البشاري” بمقطع، يقول “سرجك على مكرب من سودري وغرب”، و”يا الناشق أتدرب نجم الخريف قرب”.