الخرطوم تلملم آثار الحرب وتعود ببطء للحياة

مشاوير - وكالات 

قرب شاطئ نهر النيل، تكسو غابة من الأعشاب لم تقلم منذ أعوام باحة وزارة المالية الملاصقة للقصر الجمهوري داخل العاصمة السودانية التي تعود إليها الحياة شيئاً فشيئاً، وتستعد الأجهزة الحكومية للعودة إليها بعد ثلاثة أعوام من الحرب.

في المكان أيضاً سيارات مهجورة وزجاج متناثر وأثاث محطم، فيما ينبه أحد رجال الأمن إلى أن “الأرض لم تنظف بعد من الألغام”.

وتصنف دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام هذا المجمع الحكومي ذا الطراز المعماري الكلاسيكي كـ”منطقة حمراء” كثيفة الألغام.

إعادة إعمار العاصمة

خلال الـ11 من يناير الجاري، أعلن رئيس الحكومة المرتبطة بالجيش السوداني كامل إدريس عودة حكومته إلى الخرطوم من بورتسودان على البحر الأحمر، التي انتقلت إليها إثر اندلاع الحرب بين الجيش وقوات “الدعم السريع” خلال أبريل 2023.

وبينما الحرب تتواصل داخل مدن كردفان ودارفور جنوب السودان وغربه، أعيد في الخرطوم فتح الطرق الرئيسة بينما تتنتشر رافعات البناء في أرجاء المدينة.

وخلال مارس 2025 استعاد الجيش السيطرة على كل العاصمة، طارداً قوات “الدعم السريع” التي كانت سيطرت عليها في بداية الحرب، باتجاه الغرب.

ومنذ ذلك الحين يتفقد المسؤولون مواقع إعادة الإعمار يومياً، متعهدين بعودة سريعة إلى الحياة الطبيعية.

وخلال الأشهر الأخيرة، رُمم عدد من المقار الحكومية بما في ذلك مقر رئاسة الوزراء، ولكن ما زالت كثير من المباني الحكومية مهجورة تكسو واجهاتها آثار الرصاص.

على الجهة الأخرى من القصر الجمهوري، لم يتبق من البنك المركزي سوى هيكل متفحم بنوافذ محطمة، غير أن محافظة البنك آمنة ميرغني حسن أعلنت أول من أمس الثلاثاء عودته للعمل من داخل ولاية الخرطوم، معتبرة أن ذلك دليل على دخول البلاد مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

جانب من أعمال الصيانة الشوارع

حركة بطيئة

قرب المجمع الحكومي، تجلس بائعة الشاي حليمة إسحاق البالغة 52 سنة عند مفترق طرق يحيط بها الدمار.

فرت حليمة جنوباً مع اندلاع الحرب داخل الخرطوم وعادت إليها قبل أسبوعين.

وتقول لوكالة الصحافة الفرنسية إن “العمل ليس على ما يرام والسوق لم تعد لسابق عهدها. هناك حركة ولكن بطيئة”.

تكسب هذه الأم لخمسة أطفال، ما بين 4 آلاف جنيه سوداني و5 آلاف يومياً، أي نحو دولارين أميركيين، وهو ما يمثل نحو ثلث دخلها قبل الحرب.

خلال الحرب فر 4 ملايين شخص من الخرطوم، أي نحو نصف عدد السكان، وعاد منهم مليون شخص بعد سيطرة الجيش على المدينة العام الماضي.

وتقدر الأمم المتحدة كلفة إعادة إعمار البنية التحتية بما لا يقل عن 350 مليون دولار أميركي.

ويقول عبدالله أحمد بائع النوافذ في سوق مواد البناء “نبيع القليل جداً”، موضحاً أن “الناس لا يملكون المال، والشركات الكبرى لم ترجع بعد”.

تأهيل الطرق

أحلام محطمة

أُعيد تأهيل وبناء مطار الخرطوم الدولي، لكنه لا يزال مغلقاً بعد غارة جوية نفذتها قوات “الدعم السريع” بطائرة مسيرة خلال سبتمبر 2025، قبل أسابيع قليلة من الموعد المعلن لإعادة افتتاحه.

قرب المجمع الحكومي، يزيل عمال أنقاضاً من أحد المصارف المدمرة. ويقول مدير الموقع “يجب الانتهاء من كل شيء في غضون أربعة أشهر”.

ويأمل فندق “غراند أوتيل” الذي استضاف الملكة إليزابيث الثانية خلال الماضي في استئناف استقبال النزلاء بحلول منتصف فبراير المقبل.

وعلى رغم صمود ردهة الفندق المزينة بالثريات، يبدو جزء كبير من الجانب الخلفي للمبنى مدمراً. وهو مبنى ذو طراز كلاسيكي شهد أعمال تجديد أثناء طفرة النفط السودانية في نهاية العقد الأول من الألفية الثانية.

وخسر السودان نصف عائداته النفطية خلال الحرب إضافة إلى خسارة نحو ثلث إنتاجه من النفط بانفصال الجنوب عام 2011. ويقف برج “شركة النيل للبترول” الذي افتُتح حين كانت الخرطوم تطمح لأن تكون “دبي أفريقيا” فارغاً ومتفحماً، شاهداً على أحلام السودان المحطمة.

تأهيل المطار

شوارع مظلمة

داخل أم درمان على الضفة المقابلة من النيل تعود الحياة إلى طبيعتها بوتيرة أسرع، ويمكن رؤية الازدحام المروري في شوارعها الرئيسة التي أصبحت تنافس شارع الحرية التجاري الرئيس في الخرطوم، الذي لم يعد للعمل فيه سوى عدد قليل من متاجره المنهوبة.

ويقول عثمان نادر، بائع أجهزة منزلية، “كثير من أصحاب المتاجر لن يعودوا”، مضيفاً “يطالب الموردون بتعويضات عن البضائع التي دمرت خلال القتال”.

ويرى سكان العاصمة السودانية أن عودة المياه والكهرباء تُعد المسألة الأكثر إلحاحاً. وتقول تغريد عوض سعيد، الطبيبة المتدربة البالغة 26 سنة، “في السابق، كنت أستطيع الخروج مع أصدقائي في المساء… الآن الشوارع مظلمة ومهجورة في الليل”، معربة عن أملها في أن تستعيد حياتها كما كانت.

ومعظم من عادوا إلى الخرطوم رجال تركوا عائلاتهم داخل مدن أخرى.

قرب النيل، يعمل متطوعون على ترميم المسرح الوطني الذي شهد خلال الماضي عروضاً لفنانين كبار مثل أم كلثوم. ويأمل المدير السابق عبدالرفيع حسن بخيت الذي شارك في فعالية لترميم المبنى أن يعود “كما كان… بل وأفضل”.

على بعد كيلومترات قليلة، يزيل عمال أشجاراً متساقطة على المدرجات الحمراء والصفراء لملعب المريخ الملقب بـ”القلعة الحمراء”، وهو معقل أحد أقدم أندية كرة القدم في أفريقيا. ولا تزال السيارات المحترقة مصطفة على جانبي الطريق خارج الملعب الذي شهد آخر مبارياته قبل اندلاع الحرب بأسبوع واحد، فيما ينافس نادي المريخ مذاك في الدوري الرواندي.

Exit mobile version