صَلاحُ الدِّينِ الفاضِل صُنّاعُ المجدِ وحُرّاسُ الإرثِ لا يَغيبون
الدوحة - مشاوير: مجدي علي
ومثلما تتساقَطُ أوراقُ الخريف، يتساقَطُ المُبدِعون واحدًا تلو الآخر، لا لأنّ معينهم قد نَضَب، لكنّه زمانُ الظروفِ العصيبةِ، يُحمِّلُ الناسَ ما لا يحتملون، تتقاذفهم المنافي، ويُنهكهم المرض، وتحاصرهم الحاجة بسبب حربٍ طالت فأنهكت الوطن وشتّتت الاستقرار.
وكحالِ نجومٍ أضاءت سماءَ السودان وغابت، رحل اليوم البروفيسور صَلاحُ الدِّينِ الفاضِل أُورْسِد بعد معاناةٍ صامتةٍ مع المرض، زادتها ألمًا قسوةُ الغربة وتشظّي العباد اغترابًا.
في شتاءِ القاهرةِ القاسي، بعيدًا عن أمِّ درمان التي أحبّها و(الحيشان التلاتة) التي شكّلت دروبَ حياته، أُسدِل الستار على حياةِ رجلٍ أفنى عمره في خدمةِ الإعلام. ما ذُكرت (هنا أمّ درمان) إلا وذُكر صَلاحُ الدِّينِ الفاضِل، كيف لا وهو أحدُ أساطينها وصُنّاعِ مجدها ومهندسي وعيها الجمالي، وبُناةِ ذاكرتها السمعيّة. ومثلُ هذا الرحيل لا يُقرأ حدثًا فرديًا معزولًا، بل فصلًا موجعًا من فصولِ النزيف حين يُترك “الكبار” وحدهم في مواجهةِ الظروف بعد أن وهبوا أوطانهم العمرَ وأجملَ ما يملكون.
صُنّاعُ المجد
إن جاز أن نضعَ عند مدخلِ الإذاعة أهراماتٍ لبُناتِها، فلا شكّ أنّ صَلاحَ الدِّينِ الفاضِل سيأخذ موقعًا متميّزًا في قائمةِ صُنّاعِ المجد وحُرّاسِ الإرثِ.. فصَلاحُ الدِّينِ الفاضِل (والاسمُ لا يحفظه أهلُ السودان إلا هكذا، كاملًا) لم يمرّ عبر (الحيشان التلاتة) مرورَ العابرين، بل ترك بحبّه للإعلام وصبره عليه لأكثر من نصفِ قرنٍ بصمةً عميقةً ومضيئةً لن تُخطئها الذاكرةُ أو يُغفلها التوثيق. حدث هذا بالرغم من أنّ جلَّ من عملوا في الحيشان أو تبوّأوا مراكزَ المسؤولية سيظلّون دومًا في موقعِ المظلومين، متّهمين بالموالاة، لأنّ بوابةَ الإذاعة و”ناس الإذاعة” هم جماعةُ كلِّ نظامٍ يأتي وسدنته وإن أنكروا..
لكنّ الحقيقةَ المجرّدة تؤكّد أنّ مسيرةَ الإعلام في السودان فقدت اليوم، برحيل صَلاحِ الدِّينِ الفاضِل، أحدَ أركانها، رجلًا جمع بين الموهبة والمعرفة والحكمة، حفَر اسمَه في كلِّ مؤسسةٍ عمل بها بصمةً مضيئة، حتى تحتار أن يحويه الوصف، مخرجًا وأستاذًا وإداريًا، وفي كلِّ ضربٍ له سهام وإبداع.
الراحل صلاح الدين الفاضل
مسارٌ مُبكّر
وُلِد صَلاحُ الدِّينِ الفاضِل أُورْسِد في حيِّ العُمدة بمدينة أمِّ درمان، وفيها بدأت ملامحُ شخصيته الإبداعية تتكوّن. نشأ في بيئةٍ تعليميةٍ غنيّة، درس في مدارسِ كمبوني والراهبات، ثم مدرسةِ أبو روف وبيت المال، ثم بيتِ الأمانة الثانوية بعد فصله بسبب انتمائه للاتحاد الطلابي. هذه المراحل شكّلت له أرضيةً صلبة.
لكن أغربَ ما في سيرته أنّه التحق بالإذاعةِ السودانية في أغسطس 1967، قبل ظهور نتيجةِ الشهادة الثانوية، يومها اجتاز مسابقةَ اختيارٍ ضمّت 66 متقدّمًا، ليبدأ مسيرته مساعدَ مخرجٍ ثم مخرجًا.
كان أوّلَ عملٍ إذاعيٍّ له برنامج (الحبّ الحقيقي)، وبعد أيامٍ من التحاقه بالإذاعة أخرج برنامجًا آخر تحت إشراف محمد العبيد الطيّب.
أكمل صَلاحُ الدِّينِ الفاضِل دراسته الجامعية في المعهدِ العالي للموسيقى والمسرح، قسم الإخراج والتمثيل، ثم انتقل إلى جامعةِ الخرطوم، وابتُعث لاحقًا إلى المملكة المتحدة لنيل دراساتٍ عليا في الإخراج والمحتوى البرامجي.
تلقّى إشرافًا من إعلاميين كبار، منهم محمد خوجلي صالحين، محمد طاهر، وأحمد قبّاني، لتتبلور موهبته ويصبح من ألمع المخرجين الشباب، مؤسِّسًا أوّلَ قسمٍ للإخراج الإذاعي.
الإذاعةُ والإبداعُ الإعلامي
تدرّج صَلاحُ الدِّينِ الفاضِل ببراعةٍ في المناصب الإذاعية من كبيرِ المخرجين إلى مديرِ الدراما الخاصة، ثم مراقبٍ عامٍّ للمنوّعات، ومديرٍ لإدارة المنوّعات والبرامج الخاصة، ونائبِ مديرِ البرنامج العام، ونائبٍ للإذاعات الموجّهة والمتخصّصة، وتُوِّجت بمنصبِ مديرٍ عامٍّ للإذاعة السودانية ومستشارٍ لوزير الثقافة والإعلام، وهو خبيرُ التخطيط البرامجي الأوّل في كلِّ حقبِ الإذاعة.
تميّز بحرصه على الكلمة والمسؤولية، فقد اعتبر الإعلام رسالةً لا يجوز التهاون فيها، وكان صانعَ محتوىً إذاعيٍّ متكاملًا يولي اهتمامًا بالتحضير ودقّة المعلومة واحترام السياق الثقافي والاجتماعي للمستمع السوداني.
وعندما سُئل على فراش المرض عن رسالةٍ يمكن أن يوجّهها للوطن، لم تخنه الذاكرةُ ولا التجربة، بل خانته الكلمات، فكانت عيناه تعبّران عمّا عجز اللسان عن حمله، لتقول دمعةٌ واحدةٌ كلَّ ما لم يقدِر على قوله.
في مجال الإخراج، كان يرى المخرجَ مثل قائدِ الأوركسترا تمامًا، ينسّق جهودَ المؤلّف والممثّل ومصمّم المناظر والموسيقى التصويرية، مع الاهتمام بكلِّ تفصيلةٍ صوتيةٍ وموسيقية، ليجعل المستمع يعيش النصَّ كما لو كان واقعًا ملموسًا في تجارب فنيةٍ شاملة نالت الإطراء. فكانت الحصيلة أن أخرج أكثرَ من 120 عملًا إذاعيًا على أعلى مستوى، وظّف خلالها تقنياتٍ متقدّمة تشمل المؤثّرات الصوتية والموسيقى التصويرية والإيقاع، واختيار الممثّلين بعنايةٍ فائقة، لتتبلور الشخصياتُ ثلاثيةُ الأبعاد في ذهن المستمع، ويتجلّى ذلك في مسلسلاته الشهيرة: (خطوبة سهير)، (الحراز والمطر)، (الحاجز)، (الخروج من النار)، (كلام رجال)، (للقمر وجهان)، (الرقم 99)، (حكاية نادية)، و(المُنضِرة). كما أبدع في برامج المنوّعات، فقدّم (استوديو الفن)، (ثلاث ساعات مع الموسيقار محمد وردي)، و(مواهب).
صلاح الدين الفاضل
امتدّ نشاطه إلى التلفزيون والمسرح، حيث أخرج مسرحية (دكتور صلاح) مع فرقة أضواء المسرح، وشارك في تطوير برامج تلفزيونية مثل (بانوراما) و(عالم المسرح). ونال صَلاحُ الدِّينِ الفاضِل العديد من الجوائز والتكريمات تقديرًا لمسيرته الحافلة، كما حظي بتكريمٍ رسميٍّ من الدولة ومن جمهورية مصر العربية حين كرّمه وزير الإعلام المصري الأسبق صفوت الشريف، ويشهد له بعلاقاتٍ واسعةٍ ورائعة داخلَ البلاد وخارجها.
المعلّمُ المدرسة
بالإضافة إلى مسيرته الإعلامية الباذخة، كرّس صَلاحُ الدِّينِ الفاضِل قرابةَ ثلاثين عامًا معلّمًا، يدرّس الدراما والإعلام في المعهدِ العالي للموسيقى والمسرح وفي جامعةِ الخرطوم، وعميدًا للآداب بجامعة أمِّ درمان الأهلية، محاضرًا ومدرّبًا للأجيال الجديدة، ناشرًا للخبرات ومرشدًا للمبدعين. لم يكن مجرّد أستاذٍ أكاديمي، بل مدرسةً متفرّدةً جمعت بين النظرية والتطبيق، حيث صاغ وأعدّ مناهجَ الإعلام وأسهم في تأهيل أجيالٍ من الإعلاميين، فصار مرجعًا مهنيًا وأكاديميًا يُحتذى به، ورمزًا من رموز الإعلام الإذاعي السوداني.
شارك في العديد من البعثات الدراسية والتدريبية، منها معهدُ الإذاعة والتلفزيون وأكاديميةُ الفنون بالقاهرة، حيث حصل على دبلومٍ عالٍ في النقد الفني، وماجستير في الفنون، ودكتوراه في الإعلام من جامعة وادي النيل، وأشرف على رسائل دكتوراه لعددٍ من الباحثين، كما حصل على دكتوراهٍ ثانية في دور تكوين الصورة في الدراما التلفزيونية والتحليل الجمالي للإخراج التلفزيوني المعاصر والفن التشكيلي.
بين العلم والعمل
تميّز صَلاحُ الدِّينِ الفاضِل بقدرته على الجمع بين الإبداع العملي في الإذاعة والتدريس الأكاديمي، فكان ينقل لطلابه خبراته الواقعية في الإنتاج، ويربط بين النظرية والممارسة، ليُخرّج جيلًا قادرًا على مواجهة تحدّيات الإعلام الحديث. أسهم في تطوير الفكر الإذاعي وصياغة مناهج تعليمية تراعي التطوّرات الثقافية والاجتماعية، وأعدّ جيلًا من الإعلاميين والمخرجين، محافظًا على إرثه في التعليم والإبداع في آنٍ واحد.
شهادةُ أقرانه وتلامذته تشهد له بالإتقان والإبداع الذي يزيّنه التواضع، فقد كان مثالَ الأستاذ الجامعي، والمخرج المبدع، والإداري الفذّ، رجلًا جمع بين الموهبة والتميّز العلمي والعملي، وتلك سماتٌ متفرّدة ستجعل اسمَه حاضرًا في ذاكرة الثقافة السودانية والإعلامية، مدرسةً للجيل الجديد، وإرثًا لا يُمحى في تاريخ الإذاعة السودانية.
رحل صانعُ الضوءِ والأثر، خفتَ الضوءُ ولكن سيبقى الأثر.. رحل صَلاحُ الدِّينِ الفاضِل أُورْسِد عن عالمنا، لكنّ إرثه من المعرفة والإبداع سيظلّ منارةً لكلِّ مبدع، ودرسًا للأجيال، ومصدرَ إلهامٍ لكلِّ من يسعى للعلم والإتقان. وبوداعه نودّع أستاذًا بمعنى الكلمة، ومبدعًا عاشقًا لمهنته، ونجمًا من نجوم الإعلام الإذاعي وصُنّاع الأثر.