ثمةَ أرواحٌ خُلقت لتكون كما جذور الأشجار لا يراها الناس، لكن شموخ الشجرة واستقامة غصونها رهنٌ بصمتِها وصبرِها العتيد في جوف الأرض.
اليوم، لا أكتُب لأنعى مجرد زميلةَ مهنة، بل أنعى فكرةً نبيلةً من الإخلاصِ غادرت دنيانا، وذكاءً وقّاداً آثر أن يضيءَ للآخرين ويظل هو في ظلِّ السكينة.
لقد مادت بي الأرض وزلزل الخبرُ تحت قدميَّ، وأعادني بمرارةِ الفقد إلى تلك الأيام الأولى في هيئة إذاعة وتلفزيون الخرطوم، حيثُ كان اللقاءُ الأول بصبِيَّةٍ غضةِ الإهاب، هادئة الطبع، تمشي بخطىً وئيدة لكنها واثقة، كأنها تعرف منذ البدء أن مآلها التميُّزَ لا الظهور، أستذكِرُها اليوم والقلبُ مثقلٌ بفقدِ الأحباب و الرفاق الأخ المخرج الراحل أحمد عبدالعزيز الزين، و الأخ الصديق الراحل و الإذاعي المبدع ماجد لياي، وعدد من الرفاق الذين سبقونا إلى دار البقاء مشمولين بالرحمة محفوفين بدعاء الأحباب.
وعلى حواف الذاكرة أُراني أقف وقتها وأنا أستشرفُ دخولها علينا في ذلك الاستوديو الصغير، وهي تبتدرُ حديثها عن برنامجها مع العزيز الراحل أحمد عبدالعزيز الزين، الرجل النقي التقي الذي كان يبتسم في صمتٍ وهو يرقب مداعبتي وملاطفتي لها وهي الخجولة الطيبة المحتشمة، التي لم أتعرف عليها إلا تلك اللحظة،
بينما كانت لا تزيد في أقصى ردها على إبتسامةٍ هادئةٍ وكلماتٍ بسيطة تقطر كما الندى ادباًِ وحكمةً وبساطة.
أعادني هذا الخبر الأليم إلى تلك الأيام ونحن نتأهب في كل يوم من صباحاتها “و نعتمرُ خواطِرنا ونضع أنفسنا وقفاً بين يدي حاجة هذه المؤسسات الإعلامية إلى ما يشبع حاجتها التي لا تنتهي من الفن والإبداع والكتابة وإدارة أدوات العمل الفني فيها”، ونحن نمضي في تلك الصباحات المشرقة لبرنامج الإذاعة الصباحي “النيلُ يبدأُ من هنا”، وتلك الكوكبة من المبدعين في الهيئة من المميزين إعداداً وتقديماً وتنفيذاً وتسجيلاً ومونتاجاً.
وتلك الإجتهادات والعمل الدؤوب على امتداد اليوم حتى يأتي المساء ونحن نستشرف رزانة الأمسيات وجمال الأنس الإذاعي عبر برنامج “استوديو الخرطوم”.
كنت كلما مضت بنا الحياة استذكرُ ذلك الدفق غير المنقطع لأجيال تتابعت وهي تضع بصمتها باجتهاد في الإعداد وسبر أغوار المعاني فما تركوا شاردةً ولا واردة إلا وكانت مطروحة تحت صريرِ أقلامهم، وتحضرني أسماء كانت إلى جوار الراحلة ، الأعزاء : نهلة مسيك وحنان عوض و أحلام سلمان ورحاب المصباح وحنان أحمد حمد وطارق عبدالكريم ومنتصر علي طه و وجدان أم ضحى وحرم الشيخ الدين ونسيبة وفاطمة الشاذلي و حباب يونس وغيرهم الكثير ممن لم يألوا جهداً مع ما كابدوه من مشاق، وهم يقفون على هيكل البرامج يملأونه بعصارة الجهد والعقل والفكر، حباً في العمل واختياراً لطريقٍ قاسٍ إن لم يكُن صعباً ومهلكاً.
لم تكن منال أحمد موسى إلا واحدةً من هذا العقد النضيد، ولكنها كانت واسطة عقدٍ بما اتّسمت به من حكمةٍ واستقامة وهدوءٍ وسلامة نية ومهنية وطول بالٍ وصبر.
كانت (بلاغة صمتها تسبق بيان كلامها)، وحضورها الذهني يطغى على قلةِ مفرداتها.
لقد كانت الفقيدة استثناءً في زمنٍ يلهث فيه الجميع خلف بريق الكاميرا وصدى الميكروفون اختارت هي “عزلة المبدع”، فكانت العقل المدبر وراء الكواليس،
واليد التي صاغت الجمال دون أن تترك توقيعاً صريحاً، فهي التي وضعت اللبنات الأساسية لمشاريع إعلامية وفنية، ونفخت الروح في برامج شهد لها الأفذاذ بالريادة، ورحلت كالنسمة؛ لا تُرى ولكن يُعرف أثرها في انتعاش الروح.
إنّ رحيلها ليس غياباً لجسد، بل هو انطفاء لمنارة كانت تعمل في صمت ليحيا الضوء، غادرتنا وهي التي علّمتنا أن “الجوهر” لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الإخلاص الحقيقي هو الذي ينمو في الخفاء ليُثمِر في العلن.
رحم الله تلك النفس الزكية، وجعل مثواها الجنة مع الصديقين والشهداء، وجمعها بأخينا أحمد عبدالعزيز في مستقر رحمته.
الراحلة منال أحمد موسى
فقدنا اليوم “نخلةً كان تجودُ بالثمر دون أن تنحني طلباً للثناء ..
لقد عاشت بيننا كالنهر تعطي بصفاء، وتجري بصمت، وتتحمل الوعورة دون ضجيج.
لقد أضفت بحسن سلوكها أبعاداً إنسانية على قدرتها المهنية ما يضع ويجعل من رثائها وثيقةً أخلاقية قبل أن تكون مجرد كلمات تبحث في تاريخها.
ولعلنا ندرك أن ليست الفجيعة في غياب الجسد، بل في غياب وانكسار القلم الذي خطّ لنا الفأل حين كان الأمل غائباً، وفي توقف القلب الذي اتسع لحمل ما تنوء بحمله القلوب برحابة وسكينة أصحاب الرسالات.
اليوم، وأنا أعاود الوقوف على أطلال الذاكرة، يمرُّ بي طيف “منال أحمد موسى”؛ تلك التي بدأت خطواتها غضةً في ردهات “هيئة إذاعة وتلفزيون الخرطوم”. أتذكرها حين كُلفت ببرنامج “الموسوعة الفقهية” وهو برنامج يشرح مفرداتٍ فقهية ويضيء ما حولها بأسلوب سهلٍ سلِس، أتت بأوراقها، وكنتُ أظن أن غضاضة إهابها ستقف حائلاً دون وعورة المتن، فإذا بها تذهلني بدقة الاختيار، وأناةِ المحقق، وجلدِ المثابر. كانت تنجز المُحال بزهد العارفين، وتفي بالمطلوب دون تملمُل ولا إبداء ضجرٍ وتعب، فكأنما خُلقت وفي يدها مفاتيح الإتقان لقد كانت “منال” القوة الهادئة خلف الأفذاذ، فبين صدى صوت المبدع الصديق الراحل ماجد لياي ورصانة الصديقة المتميزة الأستاذة هيام الطاهر، كانت أنامل منال هي التي تغزل خيوط النجاح خلف كواليس هذا البرنامج وقد بسط كلٌ من سعد الدين حسن ومحمد نور الساري واقبال عبدالرحمن السيد صوته بجانب هيام الطاهر في أحايين أخرى مشاركةً في هذا البرنامج الذي عملنا عليه معاً، وحين أردتُ اختبار فيضِها في “همسات ليل الأربعاء”، ذلك البرنامج الذي كان يهمس في أذن الليل وتتدفق فيه الخواطر بما يحكي لوعة الأنفس التواقة وأشجان القلوب الذواقة، لم تزد على أن سألتني : “كيف تريد شكل الكتابة؟”، وما كان ليأتي على بال أحد أن هذه اليافعة ستكتب أروع الكلمات عن الليل والوجد والسهر، لتعود بعد ليلتين بأوراقٍ لا تحمل حبراً، بل تحمل ضوءاً وروحاً وتأملاً يستشرف المستقبل، بكتابةٍ نابعة من قلبٍ يؤمن بالأمل رغم مرارة الواقع ورغم صعوبة المعادلة التي تفرض علينا جميعاً أن نعمل في ظرفٍ معقدٍ بمقابلٍ لا يليق، وإنّ لكلِّ أداءٍ ماتعٍ نبرةً تلامسُ شغافَ القلوب، ولكل تعبيرٍ رصينٍ هيبةً تهُزُّ وجدان المستمعين، ولكن قلّما يُلتَفَت إلى تلك الأنامل الخفية التي تحترق خلف المايكروفون لتصنع هذا الضياء، وما كانت تلك الأصواتُ الباذخة التي شنّفت الآذان، والتي أثنت عليها الأنفس التواقة لتسمو وترتقي بالمعنى إلى ذروة جزالته لتستقر وتجد مكانها إلا بمدادٍ من عقلٍ كعقلِ (منال) وصويحباتها وأصحابها من المعدين الأفذاذ الذين تفرقوا للبحث في شأن الكلمة وشأن المواضيع التي تليق بالمستمعين والمشاهدين، والذين كانوا يُعبِّدون طريق الهوية والوحدة ويبسطون معنى السلام بكلماتهم ويضعون الحروف في نصابها بوعي العارفِ وقلم المبدع،
لقد كانت الراحلة تُسرجُ قناديل القول لفرسانِ الكلمة ومقدمي البرامج في خارطة السماع الرصين؛
لقد كانت منال (النصَّ الغائب) الذي يمنحُ الحضورَ شرعيته، فخلف كل جملةٍ رصينة صعدت بمشاعرنا كانت تقف وصويحباتها وأصحابها من المعدين الأفذاذ وأجدني أستحضرُ اليوم والقلب يعتصر ألماً لفراقها، تلك القامات السامقة التي كانت تسرج لها منال قناديل القول، وقد فارقنا بعضهم إلى ربٍ غفور، أستحضر صدى صوت الراحل الصديق ماجد لياي ورصانة وعمق الصديقة هيام الطاهر وألق وحضور سعد الدين حسن، ونقاء إسلام عبدالرحمن، وحضور نميري التجاني، و فخامة أصوات الأخوة النيل وزهير المريود. وأستعيدُ الدهشة التي تسكبها هند عبدو سليمان ونهى شبو، وخبرة مبارك خاطر، واترحم على سماحة الراحلين زهير بادناب و إبراهيم عالم صاحب الصوت الرائق الفخيم، واتوقف عند صفاء و وُد فتح الرحمن عبيد، و لطف رانيا هارون، و ثبات مروة الحاج، و جزالة محمد الأمين دياب، وتميز سارة محمد عبدالله، وتمرُّ بخاطري الوجوهُ النيرة لـ فاطمة البصير، وليلى مهدي، وسويداء الفؤاد، و لا يغيب عن خاطري هدوء عصام كناوي، ونبرة لؤي المبارك، وسمت صفية محمد الحسن، وتودد عزالدين، ورشا حرزاوي، وبنات بيومي، و روح وطيبة عبدالعال سليمان و موسى وفتح الرحمن ابن عطبرة الطيب والعزيز الغالي عبدالله الأصم والاستاذ عبدالفتاح الفكي، ومحمد قسم السيد وغيرهم ممن إزدانت بهم خارطة السماع الرصين.
كانت منال تُشعلُ لهم بخورَ الكلمات، وتعتصرُ فكرها ليكونوا هم (الواجهة) التي نفتخرُ بها، بينما تكتفي هي بـ (لذةِ الإنجاز) في صمتها المهيب.
“وإنني إذْ أحصي هذه الأسماءَ كحباتِ عِقدٍ نضيد، أعتذرُ بملءِ الوفاء لمن خانتني الذاكرةُ عن ذكرهم في هذه الساعةِ الأليمة، فالفاجعةُ في العزيزة الطيبة (منال) قد زلزلت الأركان، وحجبت بعضَ الرؤية، لكنّ ذكراهم جميعاً محفورةٌ في وجدانِ الأمة، كما كانت كلماتُ منال محفورةً في حناجرهم فسلامٌ على (القلم) حين يذوبُ وجداً، وسلامٌ على (الصوت) حين يحملُ الأمانة ويشرقُ نوراً وبهاء.