سودانير بين مطرقة الحرب وسندان الفساد (3) 

أشرف عبدالعزيز

لا يمكن قراءة المشهد المأساوي للناقل الوطني “سودانير” بمعزل عن شبكة المصالح المعقدة التي تداخلت فيها السياسة بـ(البزنس)، لدرجة جعلت من “الطائر الميمون” ريشاً تذروه رياح الصفقات المشبوهة.

فبينما تتحدث الإدارة عن “بشريات” العودة، تكشف الوقائع عن “تغبيش” متعمد للحقائق، وتحالفات تثير الريبة بين نافذين وبارونات الطيران الخاص.

دخل المهندس ضياء الدين الجمل على خط الأزمة مدافعاً، ومؤكداً أن شركة (أمادوس) لم تُبع وأن القضية في ردهات القضاء. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بمرارة: كيف يُترك أصل يدر ملايين الدولارات ليدخل في “نفق التقاضي” المظلم بينما تنزف سودانير كل ساعة؟ أما رواية صيانة الهند، فإن قفز الفاتورة إلى 533 ألف دولار يكشف هشاشة النظام الرقابي والمالي لشركة يُفترض أنها تمثل سيادة الدولة في الأجواء وإلا ما الذي يجعل الادارة تستلم طائرة من الصيانة في شركة مصرية دون أن تتأكد من الجهاز بيانات الحوادث بأنه لم يمسح لتدفع سودانير الخسارة كاملة بعد رفض إيرباص صيانة الجهاز.

تتجلى ذروة “تداخل المصالح” في العلاقة العضوية التي تربط وزير المالية د. جبريل إبراهيم بالمهندس عماد عبد الله.

هذه العلاقة ليست مجرد تحالف سياسي عابر، بل هي شراكة تمتد جذورها إلى محطات العمل الخاص في الشارقة وشركة (عزة) للطيران.

إن تعيين عماد عبد الله صاحب شركتي (إير ليبيا) و(بنغازي) مستشاراً لمجلس الإدارة، يضعنا أمام علامة استفهام كبرى: كيف يؤتمن منافس يملك أسهماً في شركات طيران أخرى على أسرار وصفقات الناقل الوطني؟

المعلومات الخطيرة تشير إلى أن المستشار القوي عمد إلى “فرملة” عرض تمويل صيني جاهز لتوفير ثلاث طائرات جديدة، ليعود ويطرح خيارات شراء عبر قنواته الخاصة.

هذا التلكؤ المتعمد يخدم بالضرورة الشركات المنافسة مثل (شركة بدر)، التي يُشاع أن لبعض النافذين مصالح فيها.

إن “تفكيك سودانير” لا يتم عبر إغلاق مكاتبها فحسب، بل عبر إبقائها في حالة “الموت السريري” داخل الهناجر في القاهرة والهند، لتخلو الأجواء للاستثمارات الخاصة التي نمت على أنقاض الناقل الحكومي.

يقف رئيس مجلس الإدارة الجديد، مازن، أمام اختبار وجودي. فهل يستطيع تجاوز “الترضيات السياسية” التي منحت جبريل إبراهيم سلطة مطلقة على ملف الطيران رغم تبعية الوزارة لحركة أخرى؟ إن قانون الشركات الحكومية بات يُفسر وفقاً لأهواء التحالفات الحاكمة، مما يجعل من سودانير ضحية لـ “غنائم الحرب”.

إن العودة بسودانير إلى سيرتها الأولى تتطلب شجاعة لقطع أصابع “اللوبيات” التي تغلغلت في مفاصل الشركة، ومكاشفة الرأي العام بحقيقة الأرصدة المبددة في الخارج.

فالحرب ليست عذراً للفساد، بل هي الوقت المناسب لحماية أصول الشعب من “الشفشفة” الإدارية المنظمة.

Exit mobile version