تشريع تحت البندقية

عبد الجليل سليمان

تواترت الأنباء عن مساعٍ تقودها سلطة بورتسودان لتشكيل مجلس تشريعي انتقالي، في خطوة يُراد لها أن تُقدَّم بوصفها علاجًا لفراغ دستوري، بينما هي في حقيقتها محاولة مكشوفة لإعادة إنتاج الحكم العسكري بديكور مدني.

فالدولة التي لا تزال غارقة في حرب مفتوحة، تتشظى جغرافيًا وسياديًا، لا تبني مؤسسات تشريعية، بل تُدير أزمات شرعية.

الأخطر في هذا المسار أنه يقوم على تعديلات طارئة أُدخلت على الوثيقة الدستورية، كرّست لقائد الجيش – بوصفه مركز السلطة الفعلي لا مجرد طرف فيها – صلاحيات استثنائية في تعيين وإعفاء رئيس الوزراء، وإعادة هندسة البنية السياسية الانتقالية برمتها.

بهذا التحوير، جُرِّدت الوثيقة من وظيفتها الأصلية كنص ناظم للانتقال، لتغدو وثيقة مُدجَّنة، مُلحقة بالقيادة العامة، تُدار بمنطق الأوامر لا القواعد، وبميزان القوة لا بمبدأ المشروعية.

هنا لا نتحدث عن تفسير دستوري مختلف، بل عن تغوّل صريح للسلطة التنفيذية العسكرية على المجال السياسي برمّته.

في ظل هذا الاختلال البنيوي، يصبح المجلس التشريعي المزمع إنشاؤه كيانًا بلا روح. فالسلطة التشريعية، وفق أبسط مبادئ الفقه الدستوري، تُفترض فيها الاستقلالية والقدرة على المساءلة.

أما حين تُنشأ بقرار عسكري، وتُشكَّل عبر مشاورات انتقائية مع قوى مُستأنسة أو مأزومة، فإننا نكون أمام مجلس تزكية لا مجلس رقابة، ووظيفة رمزية لا سلطة فعلية.

الحديث عن تنوّع التمثيل، وإشراك أحزاب تقليدية وحركات سلام وتكنوقراط، لا يغيّر من جوهر المسألة. فالتنوع الشكلي لا يعوّض غياب الإرادة الشعبية، ولا يستر حقيقة أن معايير الاختيار أمنية–سياسية، لا تمثيلية.

إنها عملية تدجين سياسي منظّم، يُستدعى فيها المدني ليمنح الشرعية، لا ليشارك في القرار.

وتبلغ المفارقة حد السخرية حين يُقدَّم هذا المجلس بوصفه منصة لإجازة القوانين والميزانيات، والتعامل مع المبادرات الدولية، وتمرير تفاهمات خارجية.

أي تشريع يمكن أن يُنتج في ظل حرب لم تُحسم، ودولة لم تُستعد، وشعب مُبعَد عن الفعل السياسي؟ وأي برلمان هذا الذي يُولد محاطًا بالبندقية، لا بالإجماع؟

ما يجري في بورتسودان ليس انتقالًا، بل تحايُل دستوري فج، ومحاولة لتبييض سلطة عسكرية–إخوانية عبر مؤسسات مُفرغة من معناها. وفي بلد لم تنتهِ حربه بعد، يصبح إنشاء مجلس تشريعي مُعيَّن إعلانًا صريحًا أن البندقية لم تكتفِ بالحكم… بل قررت أن تُشرّع لنفسها أيضاً.

Exit mobile version